بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تعددت الإشارات والرسالة واحدة

لكل مجتمع لغة التواصل الخاصة به، بداية من اللغة الكلامية المنطوقة واللغة النصية المكتوبة، مروراً بمجموعة من الإشارات الإدراكية والبصرية والشفرات الحسية، تتنوع تلك اللغات أو الإشارات والشفرات بتنوع فئات المجتمع لتعبِّر عن الواقع الاجتماعى والثقافى والاقتصادى لكل طبقة من طبقاته، فتقوم تلك الإشارات بتوصيل رسائل دالة ومعبِّرة عن الواقع الذى يعيشه، وهناك من يقوم بدراسة تلك اللغات وما تعنيه، وماهية الرسائل التى تحملها تلك الإشارات أو الشفرات.

سنحاول فى هذا المقال استعراض نموذج من تلك اللغات الصامتة التى كانت لها رسائل دلالية عن واقع اجتماعى يجمع العديد من المتناقضات فى صورة واحدة ومشهد واحد مع اختلاف زوايا العرض وتنوع رؤية الإخراج بتصوير الفقراء أثناء تسلمهم عدداً من السلع الغذائىة بمناسبة شهر رمضان الكريم.

فى أحد تلك المشاهد ظهرت مجموعة من سيدات مصر الفضليات اللاتى أجبرتهن الظروف على الذهاب لتسلم تلك السلع، وقد جلسن فى مصفوفة مرتبة ومنظمة سلفاً للقيام بعملية التصوير، وإخراج هذا المشهد عن عمد ونية مسبقة، اللافت فى تلك الصورة هذه اللغة الصامتة المشفرة التى عبَّرت بها هؤلاء السيدات، وقد قُمْنَ بتوصيل رسائل بصرية لنا جميعاً، تقول بوضوح شديد إنهن لم يكن على علم بعملية المتاجرة بفقرهن ليأخذ أحدهم «شو خيرى أو إعلامى» بتصويرهن، فقد ظنن أن العمل الخيرى سيبدأ بسترهن، وليس بفضحهن وتصوير وتوثيق تلك اللقطة التى تدمى لها القلوب، فقامت كل منهن بستر وجهها، فمنهن من قامت بوضع يدها على وجهها، وأخرى نظرت إلى الأرض، والثالثة جعلت من حجابها خماراً يستر وجهها، والرابعة نظرت إلى الخلف حتى تخفى ملامحها فى هذا المشهد المعيب.

السؤال هنا: ألم تكن تلك الإشارات واضحة لأهل الخير لمنع عملية النشر بعد التصوير؟، ألم تكن تلك الشفرات الحسية كافية ليدرك أصحاب هذا الحدث أن هناك رفضاً لهذا الفعل؟ ألم تكن تلك الإيماءات والحركات الصامتة أسباباً كافية لإصابة البعض بالحزن والخجل والاعتذار عن تلك الصورة؟، أعتقد أنها كانت تكفى وزيادة، فقد كانت الرسالة واضحة ومفهومة للجميع باستثناء من ارتكب هذه الجريمة فى حق مصر كلها.

فى مشهد آخر تجد المشاحنات التى تطورت إلى مشاجرات ووصلت إلى التشابك بالأيدى والتطاول اللفظى أثناء عملية توزيع السلع، هذه المشاجرات وهذا العنف إشارات مجتمعية واضحة، وإدراك بصرى حى لمن يهمه الأمر، تقول بصوت عالٍ مسموع للقاصى والدانى، ويفهمه كل من يملك عقلاً أو قلباً رشيداً، إن هناك فئة من هذا المجتمع وصل بها الحال للتشابك من أجل الفوز بزجاجة زيت وكيلو أرز و«باكو» شاى!!

من ضمن الإشارات أيضاً توصيل رسالة مفادها رسم البسمة على وجوه الأسر المصرية المحتاجة، عن طريق التقاط صورة لطفلة تضحك، أو طفل فرحان بعد فوزه بطعام يكفيه أسبوعاً على الأكثر، أو تصوير سيدة مسنة أعجزها المرض عن الحركة وبجوارها تلك القطعة النادرة المسماة شنطة رمضان!!، هذه الأفعال كشفت سترنا، ووصلت الرسالة بطريقة عكسية!!

أما من يقوم بتبرير تلك الأفعال التى لا يقبلها ضمير حى بكونها إحدى الطرق التى تبرز مجهودات أهل الخير، أقول لهم إن هناك بدل الطريقة ألف لإبلاغ الناس بهذا المجهود دون المساس بكرامة الفقراء، هناك بدل الطريقة ألف لتوصيل الرسالة، غير أخذ السيلفى مع ضحايا ليس لهم ذنب فى تلك البقعة سوى أنهم فقراء.

الخلاصة.. إن كل محتاج على أرض مصر هو مسئولية كل قادر قبل أن يكون مسئولية الحكومة، ولا بد أن نعى ونفهم تلك الشفرات والإشارات لإنقاذ كرامة أهلنا قبل إطعامهم.

وفى النهاية.. تعددت الإشارات والرسالة واحدة.

‏[email protected]