خارج السطر
ما يحتاج إليه الاقتصاد الوطنى
فى ربيع سنة 1921 كان الناس فى مصر مختلفين بين رأى سعد زغلول بأن يفاوض الإنجليز على الاستقلال شخص يمثل الأمة وليس موظفاً فى الحكومة، ورأى عدلى يكن أن رئيس الحكومة هو المسئول عن المفاوضات وله أن يستعين بمن يراه ليعاونه.
احتدم الجدل داخل النخبة وقتها، وأيد البعض رأى سعد، وأيد آخرون رأى عدلى، واحتد التراشق بين الجانبين. وعلى هامش الخلاف حكى البعض أن محمد البابلى، الأديب الظريف جلس يوما على قهوة ساهماً، عندما مر عليه أحد أصدقائه، فسلم عليه وسأله فى جدية: «قول لى يا محمد.. أنت عدلست ولا سعدست». ورد «البابلى» بتلقائية شديدة « أنا فلست».
فالأزمة الاقتصادية وقتها كانت أكثر أهمية لدى العامة من قضية مَن يترأس وفد التفاوض مع الإنجليز. وبالمنطق ذاته، فإن الواقع الاقتصادى الصعب الذى يعيشه المصريون آنيا يستحق اهتماماً أكبر من جانب أصحاب الأقلام والأفكار والآراء.
فقبل أيام قليلة خفضت الحكومة توقعاتها بشأن النمو فى الناتج الإجمالى من 5 فى المائة إلى 4.1 فى المائة، وقبل شهور كان التوقع 5.2 فى المائة. فى الوقت ذاته تواجه الصناعة صعوبة فى تدبير العملة لاستيراد مستلزمات الإنتاج، وتعانى الأسواق من حالة ركود شديد فى ظل ارتفاعات خيالية لأسعار كثير من السلع. وصار واضحاً أن هناك حاجة ماسة لتحرك ما فيما يخص الشأن الاقتصادى يتجاوز الحلول التقليدية المعتادة من تصريحات بتشديد الرقابة على الأسواق أو اللجوء لطرح سلع مستوردة بأسعار مخفضة.
وبمعنى واضح، فإن السياسات الاقتصادية المتبعة حالياً تحتاج إلى تغيير جذرى، وهو ما يستتبع تفكيراً ملحاً بضرورة الاستعانة بكوادر اقتصادية حقيقية لديها باع وتجارب ناجحة فى الاقتصاد علما وعملا، مع منحها الصلاحيات والسلطات اللازمة لتعديل مسار سياسات الاقتصاد.
إننا نتطلع لخطة حقيقية تتضمن رؤية واضحة المعالم، تقول لنا بوضوح أين نحن وماذا نستهدف، وإلى أين نمضى فى العام التالى، ثم العام الذى يليه بأرقام محددة ومعلنة.
صحيح أن المرونة فى السياسات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة ساهمت فى تنفيذ أضخم حزمة مشروعات بنية تحتية فى تاريخ مصر الحديث، لكن علينا أن ندرك أن ذلك تحقق بثمن باهظ، هو الارتفاع بالديون إلى مستويات مقلقة. وعلينا أن نتعلم من تاريخنا أن القروض الباهظة التى حصل عليها الخديو إسماعيل لبناء مشروعات العمران والمدنية ظلت الأجيال التالية تسددها لدرجة أن حكومة الوفد سنة 1942 دفعت القسط الأخير فيها.
لا يحتاج الإصلاح لعقل وحيد، وتصور واحد. اليد الواحدة لا تصفق كما يقول المثل الصينى. نحن نحتاج لمجموعة عمل متجانسة، وقوية، تذكرنا بمجموعة الإصلاحيين العظام الذين استعان بهم الرئيس مبارك فى حكومة 2005 وحققوا إصلاحاً اقتصادياً عظيماً كانت أقل مؤشراته هى الوصول بمعدل النمو إلى أكثر من 7 فى المائة، وزيادة سعر صرف الجنيه، فقد كان الدولار فى 2005 يساوى 6.30 جنيه ثم بلغ فى 2010 نحو 5.75 جنيه.
وقطعاً، فإن البعض يستغرب ثورة الناس على نظام مبارك فى 2011 رغم ما تحقق من إصلاحات، لكنها قضية أخرى لا يتسع المجال لمناقشتها الآن. لكن يكفى أن نتذكر مقولة صجيقنا المفكر العتيد آدم سميث بأن «الثروة ليست لمن يجمعها، وإنما لمن يستمتع بها»، فقد كانت الأزمة الرئيسية وقتها اجتماعية لا اقتصادية، لأن ثمار الإصلاح الاقتصادى صب فى حساب فصيل ضئيل من المجتمع.
الخلاصة: تجاوز الأزمة الاقتصادية، ممكن والحلول موجودة، والأبواب ليست موصدة. والله أعلم.