الحل عند زوجة اليوزباشى
يمكن لكلمات معدودة أن تلخص حياة بكاملها، وتصف تلك الكلمات العفوية لك بدقة سبب تقدم دول وبلاد بعينها، وصفًا يغنيك عن متاهة رجال السياسة، وأرقام خبراء الاقتصاد، ومعادلات وزراء المالية وفلاسفة التنظير، من تلك الكلمات الناجزة الموجزة ما قالته زوجة اليوزباشى أحمد فضلى، ترسم بها طريق تقدم الدول، وإليك قصة هذا اليوزباشى وزوجته اليابانية.
كان اليوزباشى أحمد فضلى أول مصرى يهاجر إلى اليابان، وتقول جريدة «المقطم» فى عددها الصادر فى نوفمبر 1940، إن أحمد فضلى كان مشهورًا بين أقرانه بنفسه الطموحة، وكان كثيرًا ما يُحدِّث زملاءه عن رغبته فى السفر إلى اليابان ليدرس لغتها عن قرب، وتحقق هذا الهدف بعد استقالته من الجيش، وقرر أن يشد رحاله إلى اليابان 1906.
وبعيدًا عن كون اليوزباشى أحمد فضلى أول مصرى يشد الرحال إلى اليابان أم لا، أو ماهية الأسباب الحقيقية التى دعته للترحال، سواء أكان طموحه ورغبته، كما ذكرت «المقطم»، أم كان ذلك الترحال منفى اختيارياً بعد أن ضاق من النظام القمعى الإنجليزى كما يقول الرحالة عبدالرشيد إبراهيم الذى التقى اليوزباشى فى طوكيو 1909، نستكمل الحكاية كما أوردتها «المقطم ».
فور وصول أحمد فضلى إلى طوكيو تم تعيينه أستاذاً للغة الفرنسية والعلوم الاستراتيجية فى مدرستها الحربية، وعكف اليوزباشى فى الوقت ذاته على دراسة اللغة اليابانية حتى أتقنها وترجم منها رواية لقائد يابانى اسمها «الروح اليابانية»– «غلاف الطبعة الأولى للكتاب جاء بعنوان النفس اليابانية تأليف حضرة اليوزباشى ساكوراى ترجمة اليوزباشى أحمد فضلى المقيم ببلاد الشمس المشرقة 1909 »، وتدور أحداث تلك الرواية عن حرب 1904 بين اليابان وروسيا.
تزوج اليوزباشى أحمد فضلى بسيدة يابانية لم يرزق منها بذرية، ولما عاد إلى مصر بعد سنوات صحبته إليها، وكان المغفور له اللواء على توفيق باشا وكيل وزارة الحربية الأسبق، متزوجًا بشقيقة اليوزباشى أحمد فضلى فعرف زوجته اليابانية، ومما كان يرويه عن وطنيتها أنه رآها يومًا تستعمل إبرة طويلة ضخمة فى الخياطة، فسألها لماذا لا تستعمل إبرة صغيرة كالتى تستخدمها النساء جميعًا؟، فقالت له على الفور إن هذه الإبرة الضخمة من صنع بلادى، فـ«أؤثرها»– أى تفضلها وتختارها– على الإبرة التى هى من صنع بلاد أخرى، وسأظل أستعملها إلى أن تصنع بلادى إبرة كالتى تأتينا من أوروبا.
لم يمضِ على ما قالته زوجة اليوزباشى زمن طويل، حتى كان الباعة الجائلون فى مصر ينادون: 12 إبرة بقرش!!، ويمضى اللواء على توفيق باشا فى قصته لـ«المقطم » فيقول: وناديت أحد الباعة واشتريت منه دستة، فإذا بها ملصقة على ورقة كتب عليها صنع فى اليابان، فأخذتها إلى زوجة أحمد فضلى، فلم تكد تراها حتى ضحكت عيناها قبل أن يضحك ثغرها، والتفتت إلينا، وقالت: ألم أقل لكم؟ وقال أحمد فضلى: وهذا سر من أعظم أسرار نهضة اليابان.
انتهت قصة اليوزباشى أحمد فضلى وزوجته ولم تنتهِ معانى كلمات تلك السيدة الفاضلة، رحل اليوزباشى وزوجته منذ مائة عام تقريباً، وبقى السؤال يرتحل معنا أينما كنا، لماذا قالت تلك السيدة هذه الكلمات؟، وماذا فعلت اليابان لها حتى ترفض استخدام إبرة من صنع بلد آخر؟!!، وماذا قدمت اليابان إلى تلك الروح كى تثق بقدرة بلادها كل هذه الثقة؟، إن الإجابة عن الأسئلة السابقة هى المعنى الحقيقى للقصة، فالعلاقة بين الفرد ووطنه علاقة تبادلية، لا يمكن أن يكون الحب فيها من طرف واحد.
فى النهاية.. بناء الأمم يبدأ من بناء الأفراد، هذا العدد الأحادى يستحق كل الاهتمام والتقدير، يستحق كل فرد فى بلاد المحروسة أن يكون مشروعًا قومياً إذا أردنا النهوض بالمجتمع ككل.
الخلاصة.. إن وصف الأفراد بالفقر ونعتهم بالعبء والضعف والعجز لا يمكن أن يبنى أمماً، بل يبنى ثروات خاصة لفئات بعينها دون غيرها، ثروات قائمة على مصالح شخصية تعزز بقاء الفرد تائهًا فى دوامة الفقر والجهل والمرض، منهكًا فى رحلة البحث عن لقمة العيش ومحاولة التكيف مع الواقع وسياسة «كله بيعدى»، ويجب تغيير هذا المفهوم وأخواته، وإلا فسيبقى الوضع كما هو عليه.