بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

إمبراطورية الأكاذيب

تسبب الغزو السوفيتى لبولندا فى هجرة قسرية لعائلة الصبى «زبيجنيو بريجنسكى»  الى أرض الأحلام وهناك درس العلاقات الدولية فأظهر نبوغًا لافتًا حتى أضحى أستاذًا مرموقًا فى جون هوبكينز ليختاره جيمى كارتر مستشارًا للأمن القومى، فقد استلهم بعض أفكاره الاستراتيجية من مقولة نابليون « اذا أرادت الإمبراطورية العظمى الحفاظ على تفوقها الكونى يجب عليها ألا تتغاضى أبدًا عن أولوية الجغرافيا السياسية» ونظرًا لمأساته الشخصية ظل خصمًا شرساً للتطلعات الروسية حيث طالب بحصارها فى كتابه الصادر 1997 رقعة الشطرنج الكبرى «The Grand Chessboard» من خلال دمج حديقتها الخلفية فى كيان أوروبى أطلسى، فقد أدرك مبكرًا أن اوكرانيا هى قلب القارة العجوز وحجر الزاوية لمنظومتها الدفاعية، وان إخفاق الناتو فى التمدد شرقًا يمكن أن يسيل لعاب قيصر الكرملين لاستعادة الأمجاد الغابرة، لأن من يحكم قبضته على أوروبا الشرقية يستطيع السيطرة على (أوراسيا) جزيرة الأرض وبالتالى الهيمنة على المسرح الدولى وهو ما يفسر قليلًا عقلية عميل «الكى جى بى» السابق الذى قامر كلاعب روليت جسور حين غزا جارته المتمردة لكن خطوته الاستباقية افتقدت للحسابات الدقيقة، فتم استدراجه بدهاء للمستنقع الآسن لاستنزافه حتى الرمق الأخير فالعملية الخاطفة كان مخططًا لها أسابيع ولكن مر عليها عام ولا أحد يدرى متى تنتهى بعد ان تحولت الى حرب عالمية بالوكالة يصطف فيها ما يسمى بالعالم الحر الذى كتب من قبل نهاية التاريخ بين الديمقراطيات الليبرالية والأنظمة الاستبدادية لذا وضعت واشنطن وحلفاؤها كل ثقلهم المادى والتكنولوجى رهن إشارة زيلنسكى الذى يتقمص شخصية مونتجمرى ووصل به الاستبداد العقلى ان يصف نفسه بداود الذى سيهزم جالوت!!

حسنًا لقد تغيرت طبيعة الأزمة من نزاع كلاسيكى ذو ابعاد جيوسياسية الى صراع عقائدى أسطورى يدافع عن شرف الهوية الحضارية فذلك المنعطف الخطير هو ما نطقت به سردية بوتين فى خطابه الاخير على طريقة هاملت أكون او أكون فهى تؤطر لمعركة وجود مصيرية ضد الإمبريالية الغربية التى تريد فرض قيمها الشاذة على الكنيسة الأرثوذكسية فهم أخرجوا المارد من القمقم ويخططون بخبث للقضاء علينا مرة واحدة وإلى الأبد، فالغرب المنافق أنفق بسخاء 150 مليار دولار لتسليح أوكرانيا فحين بخل على الدول المعدمة بمعونات مشروطة 60 مليار دولار!!  ففى خلال العقود الاخيرة قتلت امبراطورية الأكاذيب قرابة المليون نسمة بدم بارد وتسببت جرائمها العنصرية فى تشريد ونزوح الملايين فهم متغطرسون معتادون أن يبصقوا على وجه العالم كله.

لا شك ان المعطيات الميدانية جد معقدة ومتغيرة وتشى بان فرص انتصار حاسم لأحد الطرفين أمر شبه مستحيل ومع ذلك ففرضية سقوط كييف ربما تضطر الناتو للقتال وجهًا لوجه من أجل حماية بولندا وأخواتها أو فرضية تحرير الأقاليم المحتلة تعنى ضغط «نيرون موسكو» على الزر النووى وما أدارك ما الزر النووى لذا يستبد الرعب بمعظم قاطنى الكوكب الازرق الذين يعانون الآمرين من ويلات هذه الحرب المجنونة فهم يبتهلون للسماء فى انتظار معجزة فى زمن يضن بالمعجزات أو يترقبون بفارغ الصبر عودة المخلص دونالد ترامب لعله يلقى عصاه فاذا هى تلقف ما يأفكون.