نبوءات بيل غيتس
عام 1972 يحكى بيل غيتس أحد رواد ثورة المعلومات فى العالم ومؤسس شركة مايكروسوفت أنه ورفيق طريقه بيل آلان، وهما دون العشرين عاما لفت نظريهما خبر صغير بمجلة علمية يتحدث عن «رقاقة» صغيرة جدا ستكون هى عقل جهاز جديد سيساعد الانسان على العمل والحصول على المعلومات، وهذا الجهاز هو ما أصبح بعد ذلك الكومبيوتر الشخصى.. يقول غيتس إنه وقتها كان مذهولا ومأخوذا بهذا التطور الذى لو تحقق سيغير العالم.. وقد حدث وتغير العالم وبعد ربع قرن ألف بيل غيتس كتابا صدر عام 1998 بعنوان « المعلوماتية بعد الانترنت – طريق المستقبل « طرح فيه رؤية جريئة فى تفائلها الكبير بالعالم الجديد الذى لن يكون أبدا مثل العالم الذى عهدناه فى القرن العشرين وبدايات القرن الحادى والعشرين. يطرح بيل غيتس فى مقدمة كتابه أسئلة أشبه بالأسئلة الوجودية «، ولاننسى أن غيتس كتب ماكتب قبل ربع قرن من الآن – ماذا قال أو تساءل: هل أصبح ضروريا بالنسبة لى أن أتعلم استخدام الكمبيوتر؟، كيف ستغير التكنولوجيا الجديدة حياتنا؟ هل سيصبح عملى الحالى شيئا عفى عليه الزمن؟، ما هو «طريق المعلومات السريع»؟ هل ستصبح مؤسسات التعليم بشكلها الحالى جزءا من الماضى البعيد؟ هل هناك خطر على الانسان من غول العقول الاصطناعية؟.
المتأمل لتساؤلات بيل غيتس قبل ربع قرن، وللواقع الذى نعيشه سيدرك بسهولة أن غيتس كان يرى ما لم يره غيره فى ذلك الوقت، وقد أصبحت هذه الأسئلة موضع اهتمام ونقاش واسع النطاق هذه الأيام، وخاصة ما تعلق منها بطريق المستقبل أو «طريق المعلومات السريع» كما أطلق عليه بيل غيتس.. ما يعنينا الآن هو أن نتأمل طريق المعلومات السريع الذى وصفه بيل غيتس وصفا دقيقا فى كتابه، مقتحما الكثير من المناطق الغامضة أو الملتبسة.. يقول بيل غيتس: نحن نقف الآن على أبواب ثورة جديدة، ونجتاز فى الوقت الراهن عتبة تكنولوجيا سوف تغير إلى الأبد الطريقة التى بها نعمل، ونتعلم، ونشترى، ويتصل بها كل منا بالآخر.
أعتقد أنه من المهم جدا الاطلاع على رؤية بيل غيتس عن التعليم فى عصر طريق المعلومات السريع، لأننا والعالم بأسره لن نكون بمنأى عن تأثيرات العصر الجديد أو طريق المعلومات الجديد الذى بدأت أضواؤه آسرة وتصل جاذبيتها إلى حد الإغراء والغواية، وعلى أية حال فإنها غواية مشروعة اذا تعاملنا معها بفكر ومسئولية.. على طريق المعلومات السريع يرى بيل غيتس أن مؤسسات التعليم التى عهدناها فى القرن العشرين ستدخل المتاحف، ومن منتصف القرن الحالى سيكون التعليم كله على طريق المعلومات السريع، وسيدرس كل طفل مايريد ويحب، وسيكون محتوى المعلومات عند طفل فى السادسة من العمر اكبر بكثير مما يتوفر لخريج أى جامعة اليوم.. ينبه بيل غيتس إلى حقيقة أن تغير أنماط التعليم والتعلم فى العالم لن تقضى على الجانب الإنسانى أو الابداعى – ويرى العكس هو الصحيح – بأن طريق المعلومات السريع هذا سيفجر طاقات بشرية رهيبة ستغير من صلب ثقافة واقتصاديات العالم، وستمنح الإنسان فرصة نادرة أن يرى الدنيا ويفهمها ويلم بأسرار الوجود، وكل ذلك من داخل حجرة نومه. يضيف جيتس ان طريق المعلومات السريع سيمثل أعظم فرصة للبشرية لتحقيق العدالة والمساواة فى المعرفة..
الحقيقة ان تأمل رؤى بيل غيتس ليست بعيدة عن الواقع، وقد تحقق منها منذ عام 1998 إلى اليوم الكثير، لكن مايجب أن نأخذه بمحمل الجد هو مستقبل التعليم.. كل منا يعرف اليوم أن الأطفال يتعاملون مع تكنولوجيا المعلومات بمهارة وسهولة أكثر من الكبار، ولو تصورنا جيلا من الأطفال فى حدود عمر ست سنوات بالسنة الأولى الابتدائية، هذا الجيل على صلة بعالم المعلومات والبرمجة أكثر من اجيال المعلمين الذين سيتعاملون معهم، وهنا يرى بيل غيتس أن طريق المعلومات السريع سيكون جزءًا منه عبارة عن مدارس وجامعات طائرة عبر ألياف بصرية، وسيكون التعليم على أرقى مستوى متاحا لكل مكان فى العالم من خلال الاندماج والتكيف مع القادم، والأكثر من ذلك سيختار الطفل ماذا يتعلم، وسيختار من العلوم ما يتفق مع ملكاته ومواهبة الخاصة، وستكون هناك مناهج فى الكيمياء والفيزياء والهندسة والبيولوجى وغيرها من العلوم يدرسها الطلاب مباشرة ومن غرفهم الخاصة، ولافرق حينها فى فرصة التعلم بين من صبى بأحراش أفريقيا وآخر على شواطىء الريفيرا.. العالم يتغير وبسرعة مذهلة وعلينا على الأقل أن نستوعب ونقدر ماذا يحمل المستقبل معه حتى لانعيش ضحايا المفاجآت، وماهى بمفاجآت..!