مذكرات «فرخة»
بعد ارتفاع أسعار الدواجن بشكل غير مسبوق، والشد والجذب و«النواح» أحيانًا بين أطراف المعادلة من منتج ومستهلك ومسئول، دون الوصول إلى حل جذرى وعودة الأسعار كما كانت، نطرح السؤال: هل نحن أمام صناعة قائمة على أُسس راسخة، أم أننا أمام تجارة هشة لا تستطيع الصمود أمام ضربات السوق وتقلبات الأحداث؟
هذا السؤال لن تجد له إجابة شافية عند أطراف المعادلة السالف ذكرهم، وستكون جميع الإجابات أشبه بالسؤال من أتى أولاً، البيضة أم الفرخة؟ فالجميع يلقى اللوم على الجميع، وتبقى الأزمة كما هى دون حل، لذلك ذهبنا إلى الطرف الأصيل فى المعادلة وهو «الفرخة» ذاتها، عسى أن نجد عندها الإجابة.
فى البداية رمقتنى بنظرات استعلاء، فلا يمكنها الآن التعامل ببساطة مع «كل من هب ودب» من أمثالى، ولما عَلِمت أننى أمتهن الصحافة «نفشت» ريشها، وقبل أن تقبض عليها يد «الفرارجى» خوفًا من تراجع «الزبون» عن عملية الشراء، ألقت فى وجهى مذكراتها، وحدث لها ما حدث.
استهلت «الفرخة» مذكراتها بنبذة تاريخية، وقالت: كان الفراعنة يرسموننا نحن وأولاد عمومتنا من البط والأوز على جدران المعابد، فقد عرف المصريون الدجاج المستأنس معرفة تامة فى القرن الخامس والرابع قبل الميلاد، ثم نبهتنى إلى كلام الدكتور «محمد عسكر بك» ناظر مدرسة الطب البيطرى ومدير تربية الحيوانات فى كتابه «الطيور المنزلية والأرانب 1934»، بأن الحرب العظمى فى 1914 نبهت جميع الممالك إلى الاهتمام بتموين بلادها الغذائية وأهمها اللحم والبيض، وحثت الحكومات أفرادها على الاستزادة من الإنتاج، ولكن مصر لم تنتبه، وكان يجب أن نكون أول من ينتبه، لأن تربية الدجاج عندنا قائم على أساس متين من أيام الفراعنة، وقبل أن تعرف الأمم الأخرى شيئًا يذكر عنها!، وهنا سألت نفسى إذا كانت حرب عالمية لم تفلح فى تنبيهنا لمثل هذا الأمر، فهل تنجح الأزمات الدولية وتوابع الأوبئة أن تنبهنا!
تستكمل «الفرخة» سطورها وتقول إذا طالعت جريدة الأهرام فى 4 نوفمبر 1965 ستجد صفحتها الأخيرة قد تزينت بعنوان «3000 فرخة كل يوم و7 آلاف بيضة»، بعد أن دخلت صناعة إنتاج الفراخ فى مصر مجال العلم، عندما سافر دكتور أمين زاهر إلى أوروبا، وتعاقد مع هولندا والدنمارك على استيراد الماكينات والآلات، وأصبحت محطة «تربية الأمهات» فى الرأس السوداء بالإسكندرية تضم 30 ألف فرخة نقلتها طائرات من ألمانيا، وهى لا تزال كتاكيت صغيرة من النوع الذى يجمع بين اللحم والبيض والنمو السريع، إلى أن وصلنا للرقم السابق ذكره من إنتاج البيض والدجاج يومياً.
قلت ماذا حدث إذن بعد هذه البدايات المبشرة بالخير، لتنشر نفس الصحيفة بعد 32 سنة تقريبًا فى 16 يناير 1997 تحقيقًا بعنوان «نزيف الخسائر يهدد صناعة الدواجن»، لنجد تطابق أسباب الأزمة بين اليوم وسنوات الأمس، من غلاء أسعار الأعلاف، وكيف أن مزارع الدواجن تغلق أبوابها نتيجة الركود، وكان الفارق الوحيد أن سعر كيلو الدجاج الحى وصل إلى 560 قرشًا وقت نشر ذاك التحقيق، واليوم يقترب من المائة جنيه فى 2023!
كانت نصيحة «الفرخة» فى مذكراتها، أنه كان يجب علينا الازدهار فى صناعة الأعلاف إذا أردنا الاستقرار لصناعة الدواجن، لكيلا نقع فريسة لشركات الأعلاف العالمية، كما حدث فى كولومبيا فى ستينيات القرن الماضى، عندما شجعت شركة «رالستون بورينا» إنشاء صناعة الدواجن هناك، لكى تخلق احتياجًا إلى مُنتَجها الأساسى وهو الأعلاف، وليس لكى يحصل الفقراء على المزيد من الدجاج، فقد عرفت هذه الشركات أن تنشيط إنتاج الدواجن هو أسرع وسيلة لخلق زبائن للأعلاف!.. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية التى تهدد تلك الصناعة.
وقبل أن أنتهى من قراءة مذكرات تلك «الفرخة» المتعجرفة، جاءنى «الفرارجى» سائلاً: «أجيبلك فرخة تأكلها يا بيه»، فذهبت من أمامه مسرعًا مرددًا الحدوتة القديمة: «حلفت ما أكلها حتى يجيى التاجر، والتاجر فوق السطوح، والسطوح عايز سلم، والسلم عند النجار، والنجار عايز مسمار، والمسمار عند الحداد، والحداد عاوز بيضة، والبيضة فى بطن الفرخة، والفرخة عاوزة قمحة، والقمحة فى الأجران والأجران عاوزة الدراس».
هذا والله أعلم.