بين السطور
الحاجة أم الاختراع
أثناء ممارستى لهواية القراءة أحيانا قبل النوم وهى الهواية التى أصبحت تتلاشى شيئا فشيئا بعد الهجوم الشرس الذى تشنه شبكة النت ومغرياتها التصفحية السريعة، فقد وقعت عيناى على قصة أردت أن انشرها لكم. والتى وقعت احداثها فى اوائل ستينيات القرن الماضى، وكان بطلها طبيب شاب وسيم الوجه كان فى مقتبل عمره وقد يسألنى سائل: لماذا وصفت وجهه فقط أجيبكم لان بقية جسده كان مغطى بملابس بيضاء وعلى سرير تغطية مفروشات كلها بيضاء أيضا تشعر وكانك ترى مريضا على سرير داخل مستشفى لكن سرعان ما تقع عيناك على يديه وهو ممسك بمشرطه وجفت ولفافة قطن كبيرة وبعض الأدوات الطبية البسيطة ويحيط بكل هذا دماء اعلى ملابسه وقد قام بفتح بطنه فتحة صغيرة وبدأ نظره يتابع ما تفعله يديه، وعلى الرغم من أن الحادث مر عليه عشرات السنين الا أن الصورة تبدو بوضوح وكأنها التقطت منذ فترة وجيزة فقد قرأت هذه القصة الرائعة رغم انها يتخللها الالم فقد نشرتها صحيفة دايلى ميل البريطانية واعادت نشرها بعض الصحف العربية عن قصة الجراح الروسى ليونيد إيفانوفيتش روغوزوف والذى ولد فى 14 مارس 1934 فى مدينة تشيتا أوبلاست فى الاتحاد السوفييتى، وقد توفى 21 سبتمبر 2000، وكان طبيباً عاماً اضطر لإجراء عملية جراحية لنفسه لاستئصال الزائدة الدودية، بعد أن تقطعت به السبل مع مجموعة من رفاقه فى رحلة إلى القطب الجنوبى. وكان بصحبته فريق من المستكشفين فى هذه الرحلة، وغادروا روسيا وكان من بينهم الطبيب ليونيد إيفانوفيتش روغوزوف البالغ من العمر حينها 27 عاماً والذى أصيب برعب شديد عندما شعر بآلام شديدة فى البطن وأن الفريق المكون من 11 فرداً كان فى مهمة لبناء قاعدة قطبية، وانتظروا انقضاء فصل الشتاء ليتمكنوا من العودة إلى ديارهم،وقد كتب الطبيب روغوزوف قبلها فى مذكراته يبدو أننى مصاب بالتهاب الزائدة الدودية، لكننى أخفى ذلك عن أصدقائى، وحتى أننى أبتسم فى وجوههم، فما عساهم يقدمون لى لو علموا بمرضى إلا أن حالة روغوزوف سرعان ما بدأت تسوء مع مرور الوقت، وبدأ يشعر بالضعف والغثيان، ولازمته آلام مبرحة فى الناحية السفلية من بطنه، وكان لا بد من إجراء جراحة عاجلة لإنقاذ حياته إلا أن الطيران لم يكن ممكناً فى ذلك الوقت بسبب العواصف الثلجية القاسية، كما أن الرحلة بالقارب إلى روسيا كانت طويلة ولم يضمن أن ينجو بحياته فيما لوغامر بهذه الرحلة، فكان إجراء العملية بيديه الخيار الوحيد المتاح فى ذلك الوقت. وبعد أن استجمع روغوزوف شجاعته، أجرى العملية الجراحية بنفسه متحاملاً على آلامه دون أن يستعين بأية مادة مخدرة، وساعده بعض الزملاء فى حمل المرآة والمصباح ليتمكن من إجراء العملية. وأصبحت هذه العملية الأولى من نوعها فى العالم، والتى يتمكن فيها إنسان من إجراء عملية جراحية لنفسه خارج المستشفى، ودون الاستعانة بأى طاقم طبى مدرب. وكان طبيباً عاماً اشترك فى البعثة السادسة الروسية للقارة القطبية الجنوبية بين عامى 1960-1961. فى محطة نوفولازاريفسكايا وبينما كان هناك أصيب بالتهاب الصفاق، وكان عليه أن يجرى جراحة استئصال الزائدة الدودية على نفسه. وصارت إحدى أشهر الجراحات الذاتية. وظلَّ يعانى من أعرض الالتهاب لمدة 24 ساعة فى ذلك المكان فقرر أن يقوم بإجراء العملية الجراحية لنفسه خاصة أنه الطبيب الوحيد وسط 13 فرداً الموجودين بالمكان. وبالفعل أجرى الجراحة تحت تأثير بنج موضعى واستغرقت ساعة و45 دقيقة حسبما ذكر وعاونه فيها مهندس ميكانيكى وعالم طقس. كان دورهما يتمثل فى مناولته الآلات الجراحية وتوجيه مرآة إلى داخل الجرح حتى يتمكن من رؤية مكان الجرح. وبعد نجاح العملية الجراحية كتب هو عنها فى النشرة الخاصة بالبعثة ولازالت الألات التى استخدمها دكتور روغوزوف معروضة حتى الآن فى أحد المتاحف فى روسيا وبالتحديد فى سانت بطرسبرج. فقصة هذا الطبيب ليست قصة عادية من الممكن أن نسمع عنها مثلها مثل باقى قصص الأطباء، ولكن هذا الطبيب كان له من الشجاعة التى جعلته يقوم بعمل عملية جراحية لنفسه فى ظروف صعبة جداً والتى قام باستئصال عضو من أعضاء جسده وقد بقى على قيد الحياة بعدها. وتميز ببراعته الفائقه فى ميدان الطب رغم صغر سنه عندما تم إرساله فى بعثة إلى القارة القطبية الجنوبية عام 1961 وكانت هذه هى البعثة السادسة إلى ذلك القطب.
فقد دون ليونيد بنفسه تفاصيل العملية حيث ذكر فى مذكراته انه عمل العملية بنفسه ولنفسه بدون قفازات. وكانت الرؤية صعبة. ساعدتنى المرآة. لكنها أعاقتنى أيضاً، فهى تريك الأشياء بالمقلوب. لذا عملت بشكل رئيسى عن طريق اللمس، وكان النزف شديداً، لكننى أخذت وقتى وحاولت أن أتأكد من عملى. فعندما قمت بشق غشاء الصفاق، آذيت الأعور، وكان عليّ خياطته، وفجأة انتبهت إلى العديد من الإصابات الأخرى التى لم ألاحظها. بدأت أضعف وأضعف، وراودنى شعورٌ بالدوار، فكنت آخذ استراحة من عشرين إلى خمس وعشرين ثانية كل أربع أو خمس دقائق من العمل.
أخيراً شاهدت تلك الزائدة اللعينة، وأصابنى الرعب عندما لاحظت البقعة السوداء آخرها، وهذا يعنى أنه لو بقيت يوماً واحداً لانفجَرَت، واكد فى مذكراته ان أسوأ اللحظات التى عانيت منها وأنا أزيل الزائدة عندما شعرت بارتفاع ملحوظ فى سرعة دقات قلبى تبعها انخفاض، كما شعرت بأن يدى كالمطاط، ولم يبق سوى إزالة الزائدة. حسناً، لقد ظننت أن ذلك سينتهى بشكل سيىء، وبعدها أدركت أننى نجوت. هذه قصة طبيب روسى أجرى عملية جراحية لنفسه بدون اية تعقيمات أو خطوات تحضيرية فهى عملية جراحية كتبت له الحياة من جديد، أنه حقا طبيب وحقا الحاجة ام الاختراع.