ضوء فى آخر النفق
مهمات ليست مستحيلة (١)
تخفيض التمثيل الدبلوماسى المصرى حول العالم فكرة لها دعاتها، وإن كنت أختلف معها إلى حد الرفض.. حتى ولو كان مع دولة مثل أرمينيا لا تربطنا بها اليوم وشائج من أى نوع ولا حتى تبادل تجارى لافت.. بل ولو كان مع تنجانيقا.. الدولة التى لا يعرف الكثيرون اسم عاصمتها؟ (تنجانيقيا هى جمهورية تنزانيا الاتحادية حاليًا وعاصمتها دودوما دار السلام سابقًا). لدينا تمثيل دبلوماسى مع ١٩٦ دولة، بل إن بلدًا مثل إيطاليا لدينا فيه سفارتان، إحداهما فى روما والثانية على بعد خطوات منها فى الفاتيكان وكلتاهما مهمة. وحتى ولو كان هذا العدد أكبر من مجموع سفارات أمريكا حول العالم (١١٧ سفارة فقط) فمصر مهد الحضارات وأم النور.. «فجر الضمير» بزغ من هنا. لا عنصرية ولامباهاه، ولو كان.. فهذه حقائق التاريخ والجغرافيا. أعطوا لمصر ما لمصر.. حتى وهى تعانى اقتصاديًا.. وأعطوا لأمريكا– التى لم يزد عمرها على ثلاثمائة سنة– ما لأمريكا.
أين المشكلة إذن؟ بكل وضوح هى مشكلة مصر كلها اليوم.. غياب الإرادة والقدرة والعمل الدؤوب. الدكتور طلعت شاهين روائى وشاعر مصرى مقيم فى أسبانيا منذ أربعين عامًا، التقيته فى معرض الكتاب الحالى، وفاجأنى بأن المعهد المصرى للدراسات الإسلامية فى مدريد وهو معهد تابع لوزارة التعليم المصرية لم يقم بأى نشاط يذكر منذ عشر سنوات، بذريعة أنه لا توجد ميزانية! المعهد تأسس بفكرة للعميد طه حسين. المفوضون الثقافيون بالخارج يتقاضون راتبًا يناهز التسعة آلاف دولار شهريًا، خلافًا للسكن! لا أطالب بتخفيض هذه المبالغ، لأننى لا أعرف إن كانت مناسبة وموازية لما يواجهونه فى اغترابهم عن مصر أم لا، ولكن من حقنا أن نتساءل عن المردود الذى نحصل عليه من خلال معاهدنا ومكاتبنا الثقافية فى الخارج، وهل مردودها الفعلى كما نأمل ونتمنى؟ هذه منارات ثقافية مضيئة جدًا.. كل سفير وكل عامل فى الحقل الدبلوماسى ليس سفيرًا عن نفسه وليس مجرد شخص واحد فقط، وإنما هو يجب أن يكون كتيبة مقاتلة من أجل مصر. هذه مسألة لا مجاملة فيها. الظروف تغيرت كليًا والتحديات هائلة.. اختيار هؤلاء يجب أن يخضع للكفاءة والقدرة.
مكاتبنا الثقافية الأخرى خصوصًا فى دول الخليج، الكويت والسعودية والإمارات وقطر وعمان ماذا تفعل؟ سفراؤنا هناك أدوارهم الآن بالغة الأهمية، ولابد أن يؤثروا فى الأوساط كافة. الظروف تتغير. وما كان يكتفى به أمس لا يناسب اليوم. فى فترات سابقة لم تكن علاقات مصر بالشعوب الخليجية تحتاج إلى من يقويها أو يساندها أو يذكر بها، فأهل هذه البلدان كانوا سفراءنا فى بلدانهم، يفعلون ذلك بمودة وحب واهتمام.. فقد درسوا فى مصر وعاشوا فيها وكثيرون تزوجوا من بناتها وسيداتها.. منذ تفجرت ينابيع النفط عند أشقائنا وهم يعتبرون مصر وطنهم الثانى.. يقصدونه للعلم والسياحة والثقافة والترفيه، ويتملكون عقارات يقيمون فيها.. اليوم هذا الجيل الذى تقلد مقاليد الأمور لسنوات أسلم الراية لأجيال جديدة، لا تدين لنا بأى فضل، فقد تعلمت فى أوربا وأمريكا، وبالتالى السند الحقيقى فى العلاقة تغير..هؤلاء كانوا نوابًا ووزراء ووجهاء فى بلادهم.. وكانوا يذكرون لمصر كل فضلها وتاريخها وكل مساهماتها النهضوية هناك.. الآن تغيرت الأمور والتعاملات.. كيف؟ نلتقى الأسبوع المقبل.