خارج السطر
هُنا لندن
فى يوم الخميس الماضى توقف الصوت الرنان العميق، الذى طالما سكن أذهاننا عقوداً طويلة بكلمتين موحيتين هما «هُنا لندن» حيث قررت هيئة الإذاعة البريطانية «بى. بى سى» وقف البث نهائياً عبر الأثير.
لم يكن الأمر نتاجاً لأزمة مالية طاحنة تعيشها بالفعل بريطانيا، ولم يكن توجهاً سياسياً للدولة الأوروبية الكبرى لإيقاف تأثيرها وصوتها فى أنحاء العالم، وإنما كان تعبيراً عن اختلاف زمن، صاحبه تغير وسائط وجسور وأدوات نقل الخبر والصورة والرأى إلى المتلقى.
فلا يمكن أبداً أن يمضى الإنسان فى طريق ما بحكم التطور، ثم ننكره ونقاومه، ونتشبث بالماضى، ونفضل طريقاً آخر لأننا اعتدنا عليه بثباته وجموده.
كانت «البى. بى. سى» منذ انطلاق بثها باللغة العربية فى 1938 نموذجاً لافتاً فى قوة العرض ورصانة المحتوى، وإن تأثرت كثيراً بتوجهات السياسة البريطانية تجاه مستعمراتها فى الشرق. لكن اهتمام الإذاعة بالخروج من حلبة السياسة بالتعمق كثيراً فى الثقافة والفنون العربية ساهم فى انتشارها واتساع الاهتمام بها، خاصة بعد أن استضافت السيدة أم كلثوم فى حوار تاريخى سنة 1949، وعمل كثير من المبدعين (ربما أشهرهم الروائى السودانى الطيب صالح) فى الهيئة ذاتها. وفى حرب يونيو كانت الإذاعة ملاذاً للجمهور العربى للتعرف على حقيقة ما يحدث فى الحرب مع إسرائيل عندما روجت الإذاعات العربية لأكاذيب كبرى عن انتصارات وهمية.
لكن التطور طبيعة إنسانية، وانتشار أجهزة الحاسب الآلى، ثم اتساع استخدام الإنترنيت، دفع الهيئة البريطانية إلى اطلاق موقع لها على الإنترنيت سنة 1998، ثم تطور الموقع إلى تلفزيون وراديو إلكترونى، ولم يعد بث المادة الإخبارية عبر المذياع له جدوى.
ربما حزن كثيرون لتوقف الصوت العميق المنطلق عبر الراديو «هنا لندن»، لكن هناك أجيالاً جديدة ناشئة لا تعرف الراديو ولا تهتم به، وتفضل عليه البودكاست، الذى يمنح المتلقى حق اختيار ما يسمع، وقتما يريد
وهذا هو الدرس الأهم للإعلام فى العالم العربى، فالتطور ضرورة إنسانية، ولا بقاء لكيان قوى يتبع الخطوات ذاتها التى خطاها الأجداد والآباء، فلكل عصر لغته، ولكل زمن ضروراته. والتشبث بالماضى عجز وخواء، وتكاسل، وركون ينتهى حتما إلى التلاشى.
وأتصور أن هناك مؤمنين كثراً بحتمية التطوير وسلك الطرق الجديدة وإقامة الجسور الحديثة فى منظومة الإعلام العربى، لكنهم فى الغالب مقيدون بكلفة التطوير والتى لم تعد المؤسسات القائمة بكياناتها المالية القديمة قادرة على تحملها.
فضلاً عن ذلك، فإنه ما زالت هناك عقول تجابه التطوير تحت زعم زعزعة الاستقرار فتحرض القادة والأجهزة على تجنب التطوير، وتأجيله إلى آجال ممتدة.
وهناك دول عربية أسست منظومات ضخمة جديدة تقوم على تقنيات شديدة التطور، لكنها ظلت معتمدة للثيمات الماضوية المألوفة ذات الطبيعة الاحادية فى طرح الآراء والتحليلات والأحداث، ما جعلها أن تفقد زخم الحداثة، ففشلت فى جذب الجمهور المفترض.
وحتماً، فإن التطور المتسارع الذى تشهده المنظومة التكنولوجية هنا وهناك، تجعل من السذاجة الشديدة أن يتصور البعض أن هناك مَن يمكنه إخفاء حقيقة ما أو منع خبر محدد أو حجب رأى بعينه. فالعالم مكشوف من السماء، وكل حكاية عابرة للحدود، والصورة تنتقل بعد ثوان من قارة لأخرى، والكلمة لا تموت أبداً.
والله أعلم