خارج السطر
لماذا تخلف العرب قرونا؟
ثمة سؤال أزلي، مُلح يُزغزغ عقلى منذ الصغر، ويُشاكسنى كل هُنيهة، ومازال يزورنى وأنا أعبر نحو ضفة الشيوخ الحكماء، هو ما سر تخلفنا: شرقًا، عربًا، مصريين؟
ليس أدل على صحة السؤال من نظرة سريعة على قوائم الحاصلين على جوائز نوبل فى الطب، الفيزياء، الكيمياء، والآداب لنُدرك أننا بعيدون بعيدون.
وليس أكثر إقناعا من أن علماء العرب والمسلمين العظام مثل البيروني، وابن الهيثم، وابن سينا لم يتكرروا على مدى ثمانية قرون.
وليس أوضح من أن كافة الابتكارات والاختراعات العظمى والاكتشافات العظيمة لم تولد فى بلادنا.
يتعدد السؤال المطروح ويتشعب ليأخذ صيغا أكثر شمولا من نوعية: لماذا نعانى انهزامًا دائما؟ ولماذا لا ننعم بالرخاء والتقدم؟ ولماذا لا نتمتع بالعدالة؟ ولمَ تنتشر الخرافات لدينا، ويتسع الفساد، ويسود الظلم، ونخسر فى كافة الميادين؟
انظروا إلى ترتيب الجامعات فى العالم، واسألوا أنفسكم أين جامعات العرب؟ اسألوا عن أفضل مناهج التفكير وابحثوا عن شخص عربى شارك فى وضع أي منها؟
لاحظوا معى أن العرب لم يصنعوا القنبلة الذرية، ولم يقدموا للإنسانية عطاء حقيقيا فى مجال الطب، ولم يضعوا نظريات وأفكارا ومناهج علمية، وظلوا مقلدين تابعين مُكررين، مُنشغلين بالصغائر، ومُهدرين أوقاتهم فى معارك الكلام.
لا أظن أن الأمر مجرد حظ، ولا أصدق أن المناخ الحار فى نصف العالم الجنوبى يقود نحو التخلف، ولا أعتقد أن ثمة مؤامرة دائمة لتقزيم العرب وقهر المسلمين، ولا أؤمن أن الجينات الموروثة بين أجناس العرب تدفعهم إلى الاستكانة والتبلد، ولا أقبل ما يطرحه البعض من أن التراث الدينى الذى يحض على الزهد وازدراء الدنيا هو الذى يُجمدنا فى أماكننا. كذلك لا أتصور أن قضاء الله وقدره أراد لنا التخلف الدائم، لأن هناك أمما ومجتمعات وشعوبا تبدلت وتغيرت وتطورت وانقلبت أحوالها.
فى ظنى وكل ظنونى آثام لأننى أفكر ـ فإن الاستبداد والاحادية السائدة والشائعة هى التى حكمت على كل طارح فكر أو رأى يبدو مخالفا للقطيع بالمروق والخيانة والكفر. وهذه الاحادية ولدت تقريبا قبل ألف سنة عندما قرر الخليفة العباسى القادر بالله إغلاق باب الاجتهاد تماما لأنه رأى أن هناك تشتتا فى المذاهب واختلافا فى الآراء الفكرية، وهكذا تحالف الاستبداد السياسي، مع التعصب الدينى لوأد العقل العربى تماما، رغم أن الخطاب القرآنى عاب على الأمم السابقة مقولة «وجدنا آباءنا لها عابدين».
وهذا ما يطرحه كاتب أمريكى فذ من أصول تركية، يعمل أستاذا للعلوم السياسية فى جامعة سان دييجو، اسمه أحمد كورو فى كتاب صدر حديثا بعنوان «الاسلام: السلطوية والتأخر»، إذ يشير بوضوح إلى أن السر فى تأخر العرب والمسلمين هو ذلك التحالف المشئوم بين رجال الدين ورجال السياسة. لقد رسخ الإمام أبو حامد الغزالى فكرة أن الدين والحكم توأمان، واستغلتها السلطة الحاكمة، وحولتها الدولة العثمانية فيما بعد إلى واقع عملى لغزو الأرض وإقامة الإمبراطورية.
والحل طويل المدى لكنه ممكن، وهو مهمة أجيال من المفكرين والباحثين والساسة المؤمنين بضرورة التغير ويتمثل فى غرس بذور مقاومة الاحادية فى الأجيال القادمة، وكسر هذه الاحادية سواء الحاكمة للفكر السياسي، أو للفكر الديني.
إن إرساء التعددية هو الطريق لمغادرة التخلف.
والله أعلم