خارج السطر
براءة راقية إبراهيم
تبرز القيمة الحقيقية للفن فى مقاومة القبح، وطرح الجديد، ومحو السائد إن كان خاطئا، وإنصاف المظاليم. وهذا ما استوقفنى فى سلسلة جديدة من الأفلام الوثائقية التى أنتجتها مؤخرا الشركة المتحدة للإعلام، لتقديم رؤى مغايرة لمسلمات مجتمعية وفكرية سائدة.
وربما كان أبرز هذه الأفلام، وما وقفت عنده كثيرا لقيمة ما يطرحه من إنصاف لمبدعة مصرية أصيلة انتصرت آلة الإعلام الكاذب عليها، فنعتتها بأكاذيب تحولت مع الوقت إلى حقيقة مسلم بها، وهو فيلم «براءة راقية إبراهيم» من كتابة وإخراج أسامة الشاذلى وريم الشامي، والذى يرفع الغطاء عن ظلم إنسانى بشع طال الفنانة العظيمة باتهامها بالعمل مع الموساد الإسرائيلى ومشاركتها فى اغتيال عالمة الذرة المصرية سميرة موسى، استنادا لكونها يهودية الديانة.
يبدو الأمر غريبا، لكن محرك البحث العبقرى «جوجل» يعكس حجم المأساة، إذ تتكرر عليه حكايات كلها مأخوذة عن بعضها ومنقولة جميعا من مصدر وحيد يحاول ترسيخ هذه الفرية، مستندا لعمل صحفى مفبرك نشره موقع «المصريون» سنة 2012 ادعى فيه أنه حاور حفيدة راقية إبراهيم، وقالت إن جدتها كانت تتجسس على مصر لصالح الموساد، وأنها هاجرت إلى الولايات المتحدة وارتبطت بعلاقة صداقة مع عالمة الذرة المصرية سميرة موسى، وساهمت فى عملية اغتيالها!
والمؤسف أن السيناريست الكبير مجدى صابر وقع فى فخ سوء الظن بالفنانة المصرية الراحلة من خلال تقديمها كشخصية محبة وداعمة للحركة الصهيونية فى مسلسل «أنا قلبى دليلي» الذى قدمه سنة 2009 دون أن يستند لأى شىء دال على ذلك الدعم.
وما فعله صناع الفيلم أشبه بتحقيق استقصائى عميق وشامل يستحق كل تقدير وتحية، فقد كشفوا أن راقية إبراهيم لم ترتبط بأى علاقة صداقة أو معرفة بسميرة موسى لأنها وصلت الولايات المتحدة بعد الوفاة الغامضة للعالمة المصرية. كما أن إقامة راقية إبراهيم فى نيويورك حيث عملت مترجمة فى الأمم المتحدة تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن مقر إقامة وعمل سميرة موسى. فضلا عن ذلك فإن الحفيدة المزعومة لراقية إبراهيم غير موجودة من الأساس.
وكل الحكاية أن جماعة الإخوان فى انتخابات الرئاسة عام 2012 تصورت أن عمرو موسى يمثل منافسا شرسا لمرشحهم فى الانتخابات فأطلقوا شائعة بأن والده تزوج الجاسوسة راقية إبراهيم وأنجب منها شقيق آخر يهودى الديانة!
لكن أحدا لم يسأل أبدا كيف ماتت راقية إبراهيم موتا هادئا فى نيويورك سنة 1977، ولم تحتف بها إسرائيل أو تطلب دفن جثمانها؟ ولم يسأل أحد نفسه كيف لم يذكر أى من مؤرخينا السينمائيين الكبار شيئا عن ذلك؟ ثم كيف قتلت راقية إبراهيم سميرة موسى وهى لم تسافر إلى أمريكا إلا بعد وفاة سميرة؟؟
ثم كيف شاركت فى بطولة فيلمين سنة 1953 بعد الواقعة المزعومة هما «كدت أهدم بيتي» و»جنون الحب»؟؟
واللافت أن راقية ـ كما يقول صناع الفيلم ـ لم تكن يهودية متعصبة، وإنما مصرية خالصة شاركت فى أعمال فنية عديدة قدمت من خلالها دور الفتاة المصرية العادية بأصالتها وطيبتها وحنانها.
وكل هذا يدفعنا أن نُشغل عقولنا فيما يردد ويشاع ويُطرح هنا وهناك. وأتصور أن هناك أكاذيب عديدة تغلف دائرة الوعى فى تاريخنا الحديث، وحكاية راقية واحدة منها، مثلما هو الحال فى حكايات أدهم الشرقاوى اللص الشرير الذى حولوه لبطل، وياسين وبهية المجرمين اللذين صارا رمزى غرام، وحسين توفيق القاتل المهووس الذى حوله فيلم «فى بيتنا رجل» إلى مناضل مثالي، وسليمان خاطر قاتل الأطفال الذى اعتبروه محررا للقدس..
فكل هذه الأكاذيب تحتاج لمن يبحر فيها منقبا ومفككا، وتحية للإعلام عندما يستهدف الحقيقة لا الإثارة.
والله أعلم.