رؤيــة
المواطن «حجاب» وحقوق المواطنة
تقول الحدوتة الإنسانية التى تم نشرها فى عدد من جرائدنا السيارة أن مواطن من مدينة دسوق فى كفر الشيخ، يُدعى" حجاب "، كانت زوجته تخضع لعملية ولادة فى مستشفى دسوق العام، فطلب الطاقم الطبى ضرورة توفير بعض الأدوية لتخفيف آلامها وتسهيل عملية الولادة، وكان الرجل فى حالة مؤثرة للغاية..
وتوجه "حجاب" للصيدلية القريبة من المستشفى، وطلب من الصيدلى صرف الدواء، ففوجئ بمطالبة الصيدلى له بمبلغ 215 جنيهًا، فاكتشف وقتها أنه لا يملك سوى 100 جنيه..
من جانبه رفض الصيدلى منحه الدواء كاملًا، فعرض الرجل عليه ترك هاتفه المحمول، وبطاقة هويته الشخصية، لكن الصيدلى رفض منحه الدواء..
ومن شدة الخوف على زوجته ورغبته فى إنقاذها لم يجد أى وسيلة سوى خطف الدواء من يد الصيدلى وخروجه من الصيدلية، متوجهًا به إلى المستشفى، ففوجئ بالصيدلى وآخرين من أصدقائه تجمعوا حوله فى الطريق، ومنهم من ركله فى قدمه التى يتألم منها لكنه تمكن من مقاومتهم واستطاع الفرار حتى وصل المستشفى ومعه الدواء، وصعد إلى الطاقم الطبى، فى قسم النساء والتوليد، وسلم لهم الدواء، وأبلغهم أنه متوجه إلى نقطة شرطة المستشفى لتسليم نفسه قائلاً: «خلوا بالكم من مراتى أنا نازل أسلم نفسى لنقطة المستشفى عشان الشرطة هتيجى تاخدنى دلوقت»..
فى هذه الأثناء، تلقى قسم شرطة بندر دسوق إشارة من شرطة النجدة باستغاثة صيدلى من قيام مجهول بسرقة أدوية بعد طلبها للشراء وعدم توفر المال معه، ودخوله للمستشفى..
على الفور، توجه رئيس مباحث قسم شرطة بندر دسوق، وقوة من مباحث القسم، إلى المستشفى إلا أنه تفاجأ بالمتهم متوجهًا لتسليم نفسه..
من جانبه، رفض رئيس المباحث، التعدى على المواطن حجاب، ودفع مبلغ الـ 115 جنيها للصيدلى ولم يحرر محضرًا له واصطحب المواطن فى سيارته الخاصة وأوصله إلى المستشفى ليكون بجوار زوجته واستقبال مولوده..
ولكن ما أود الإشارة إليه هنا طرح السؤال: وماذا بعد؟
أرى وقد باتت عدوى مثل تلك المواقف تنتشر وتمثل سلوكيات سلبية جديدة، فهل لنا أن نتوقف بالدراسة والبحث عن سبل لمنع أضرارها ومخاطرها على الأقل من جانب مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدنى وعبر تشريعات جديدة للتعامل المرن والموفر لسبل حياة كريمة إبان حدوث مثل تلك الأزمات اليومية..
إن انتشار مشاهد بعض المرضى المطرودين من المستشفيات وبعض التلاميذ من المدارس والمسافرين المُلقى بهم خارج القطارات وغيرهم فى ظروف أخرى مشابهة ممن يعانون أزمات مالية وضيق ذات اليد لابد لها من مواجهات وإيجاد حلول ميسرة نتكاتف جميعًا حكومة وبرلمانا ومجتمع مدنى على إيجاد نظم ومعالجات جديدة إنسانية تضمن للمواطن كل حقوق المواطنة وصياغتها ضمن منظومة «حياة كريمة» المشروع الأعظم ..
معلوم أن لدى الفرد المُثل العليا، التى نعبر عنها بالثقافة الإنسانية، ولابد من التأكيد على هذه الثقافة فى تلك المرحلة، ونحن نواجه طوفاناً من ثقافة الكراهية، ثقافة الأنا المنغلقة، التى لا ترى فى الآخر سوى تمايزه واختلافه : دينه أو عرقه أو لون شعره أو طبقته الاجتماعية!!
وهذه الثقافة السلبية للأسف تُعد فى جوهرها مسيرة تدمير، تُقوض القيم وتميت الروح... لم يعد لدينا سوى خيارين لا ثالث لهما : أن تنتصر الثقافة الإنسانية، بما تعبر عنه من قيم عُليا، أو تهيمن ثقافة الكراهية..