صكوك
تاريخ المداحين
ربما زادتنى الحيرة وأنا أشاهد هذا الرجل يمدح فى القاصي والداني ولم أجد أحدًا فى براعته ولكن على بعد خطوات رجل آخر يمدح فى مسئول وقد توسعت مداركه فى اختراع ما لم يتوصل إليه أحد.. وذات يوم غريب.. تجمع فيه أصحاب المدح ونالتنى منه نفحة.. وهو ما جعلنى أبحث فى أصول تلك الظواهر المنتشرة بين المصريين وهل هى مشروعة أم لا فى الإسلام، فجاء أنَّ رجلًا كان عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فمر به رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ ! إنى لأحبّ هذا. فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أعلمتَه؟ قال: لا! قال: أعلِمه، قال: فلحقه، فقال: إنى أحبُّك فى اللهِ، فقال: أحبَّك الذى أحببتَنى له. وهو دليل دامغ على أن من حسن الخلق فى الإسلام أن أقول لمن أحب إنى أحبه فى الله لا غير وليس لمصلحة.. أما التاريخ يسطر لنا صفحات عن أقوى معارك المدح وهى فى الواقع نفاق وليس من المدح المباح.. جاءت حكاية عميد الأدب العربى «طه حسين» والذى قام السلطان حسين سلطان مصر بإرساله إلى بعثة لباريس وعندما رجع طه حسين من فرنسا كرّمه الملك، وفى خطبة الجمعة فى حضور الملك وطه حسين، أراد خطيب (الجمعة) أن ينافق فى مدح سلطان مصر بعد إكرامه طه حسين (الكفيف) والاحتفاء به، فقال (لا عبس ولا تولّى لما جاءه الأعمى)!
وكان من بين الحاضرين الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر فى زمانه فوقف بعد الصلاة، وقال لجموع الناس: أعيدوا جمعتكم ظهرًا فإن الخطيب كفر، فأعادوها..
ذلك بأن الخطيب شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضًا لا تصريحًا، لأن الله سبحانه عتب على رسوله صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم الأعمى، وهو يحدث بعض صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام، فأعرض عن الأعمى قليلًا حتى يفرغ من حديثه، فأنزل الله عتاب رسوله فى هذه السورة الكريمة..
ورفع رسالة إلى سلطان مصر بلّغه بهذا الحكم، فأوعز بعض المنافقين للخطيب برفع قضية ضد الشيخ محمد شاكر باعتبار أنه شهّر به أمام الناس..
وأمام القاضى وقف الشيخ–رحمه الله–وقال للقاضى: أنا لا أريد علماء الأزهر ولا علماء اللغة العربية، بل أريد مستشرقين يكفرون بالله العظيم، ويعرفون اللغة العربية ليقولوا لنا، هل ما قاله الخطيب يعتبر تعريضًا بالنبي–صلى الله عليه وسلم–أم لا؟.. ويقصد أن الخطيب يقول عن السلطان إنه ما عبس وما تولّى، فى حين أن رسول الله–صلى الله عليه وسلم–عبس وتولّى. فسحب الخطيب قضيته.. وبعدها فصل من عمله.. يقول الشيخ أحمد شاكر المحدث الكبير ابن العلامة محمد شاكر: ولكن الله لم يدع لهذا المجرم جرمه فى الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه فى الآخرة، فأقسم بالله لقد رأيته بعينى رأسى بعد بضع سنين، وبعد أن كان متعاليًا منتفخًا معتزًّا بمن لاذ بهم من العظماء والكبراء، رأيته ذليلًا مهينًا، خادمًا على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها، فى ذلة وصغار، حتى لقد خجلت أن يراني، وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه، فما كان موضعًا للشفقة، ولا شماتة فيه، فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، لكن لما رأيت من عبرة وموعظة..
ومن يهن الله فماله من مكرم..