ضوء فى آخر النفق
اللعب الغربى فى الدماغ العربى!
كان الشيخ أحمد بكر ماضى فقيهًا وخطيبًا وإمامًا للجامع الكبير بقرية ميت فارس منوفية. كان رجلا مهيب الطلعة.. حسن الوجه.. محبوبًا من الجميع. كان كُتَابُه يضم العشرات من التلاميذ الذين تهفو أسرهم ليحملوا كلمات الله بين قلوبهم. كان يصطفى عددًا من الحفظة النابغين، يصفهم بأن «مخهم زى عود الكبريت»!مازلت اذكر عبارته تلك وكنت وقتها فى الصف الرابع الابتدائي. منذ ذلك التاريخ وأنا أحفظ كثيرا من أجزاء القرآن.. ولولا أن أجواء الترفيه واللعب كانت متاحة أكثر فى قرية طحانوب (قليوبية) التى انتقلنا إليها ونحن فى على مشارف المرحلة الابتدائية ما كان للفكر الفلسفى والسياسى أن يأخذنى من النبوغ القرآني.
فى الكُتّاب عرفنا أهمية القرآن وكيفية أداء الشعائر والعبادات، أن نتقن فهم الدروس ومتابعة المدرسين وحل الواجبات المدرسية. أظن لو أننا عرفنا الفيس بوك ووسائل التواصل الاجتماعى آنذاك لكنا استخدمناها على نحو مختلف عن اليوم. فحينما تستخدم وسيلة ما وأنت تفهم وتفكر وتعى، وأنت قوى ومتماسك وتتعلم وتكتسب مهارات وهناك من يعلمك ويزود بالمعارف ويساهم فى تربيتك، لا شك أن استخدامك وقتها سيكون محكومًا بما اكتسبته من قوة المهارة والمعرفة والأسس العلمية والفكرية.. بعكس الحال هذه الأيام.. ومنذ السبعينيات للأسف. قيمة التعليم تراجعت ومعها تراجعت كل القيم الانسانية العليا. بات النجاح مجرد شطارة وانتهاز فرص بدون أسس حقيقية. الفهلوة أصبحت هى المعيار. ما كنا نتعلمه فى المدرسة لم يعد يرسخ فى الذاكرة ولا يفيد فى الحياة العملية. الآن.. المعلم الحقيقى ليس الكتاب ولا المدرسة ولا الأسرة، وإنما الفيس بوك وتويتر وانستغرام وتيك توك والبقية تأتى من جديد وسائل التواصل الاجتماعى. هذا المتغير الشرس يفرض علينا التعامل بأدواته وألا نتنكر لها ونهملها وكأن تجاهلها سيلغى وجودها. كان الخبر الصادم أن شركة والت ديزنى العالمية سوف تنتج قصصًا ومشاهد كارتون من التى تأخذ بألباب الناشئة-وكنا منهم ذات صبا راحت أيامه وانطفأت- ستقوم تحت دعاوى التسامح الثقافى والدينى بغرس الأفكار والقيم التى ينشغل بها الغرب حاليًا.. ومنها قيم المثلية الجنسية! سيجد الناشئة والصبية أنفسهم أمام قصص وأعمال فنية جذابة تجعل من المثلية الجنسية أمرًا عاديًا.. وليس هذا فقط، وإنما ستجد الفتيات الصغيرات أن «المساكنة» و«المواعدة» والخروج من بيت الأسرة فى سن صغيرة للعيش مع زميلها فى العمل أو صديق المدرسة أمر عادي. ستصبح القيم المرفوضة مجتمعيا كالمرأة المستقلة والمتحررة ونحو ذلك من الأمور العادية!هل نحن مستعدون لمزيد من التحرر السلوكى ونحن لسنا نملك الانفتاح العقلى والقدرة الثقافية والملكات النقدية التى تجعل لدى الاجيال الجديدة القدرة على التفكير الصحيح والاختيار الصائب؟ فى مجتمع مثل مجتمعنا تراجعت فيه الثقافة والتفكير العلمى وانشغل رجال الدين بأمور الفتيا الغريبة لا يمكن النجاة بالمجتمع. آن الأوان أن يصبح لدينا فيس بوك وتويتر وانستغرام ووسائل تواصل عربية المحتوى. الأولاد «اللى مخهم زى عود الكبريت» الذين يملأون عالم البرمجيات العربى.. لماذا لا يتقدمون كما فعل الصينيون مثلا ويقدمون لنا نسخًا عربية من هذه الوسائط، بدلًا من أن يظل الغرب صانع التكنولوجيا الأول يلعب فى آخر دماغنا ودماغ ولادنا؟