بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

قداسة البابا يتكلم

تنقلب الحكمة العظيمة، فيصبح السكوت فى بعض الأحيان من فضة، والكلام من ذهب. فثمة مواقف تاريخية تستدعى الشهادات المتنوعة لأناس مؤثرين ليعرف الناس مشاهد قريبة لما حدث.

من هنا تكتسب شهادة قداسة البابا تواضروس الثانى على حكم الإخوان وانتفاضة الشعب لإزاحتهم، وما شهدته مصر من اضطرابات وفوضى واعتداءات مكثفة على دور العبادة المسيحية، والمدونة فى كتاب يحكى فيها سيرته أهمية قصوى. حررت الكتاب الإعلامية شيرين عبدالخالق، وقدم له المستشار عدلى منصور، وحمل عنوان «البابا تواضروس.. سنوات فى محبة الله والوطن»، وصدر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية.

يحكى قداسة البابا فى بساطة وخفة ظل حكايته كابن لعائلة متوسطة متعلمة، ولد فى المنصورة سنة 1952، ودرس الصيدلة، وعمل فى مجال الدواء، ثُم اختار الرهبنة لينشغل بالعبادة، ثم يصبح أسقفا، ويدخل بعد رحيل البابا شنودة الثالث سنة 2012 ضمن نظام القرعة الهيكلية بعد انتخابه ضمن المرشحين، ليتم اختياره رغم عزوفه وابتعاده عن الأضواء فى منصب بابا الأقباط رقم 118.

لقد أصدر الرئيس محمد مرسى قرارا شكليا باعتماد نتيجة القرعة واختيار البابا، وفى أول لقاء تال شكره قداسة البابا، على القرار، فرد الرئيس مرسي، بأنه اختيار الرب. لكن بدا أن هناك توترا ما فى العلاقة. وأجرت جريدة حزب الحرية والعدالة لسان حال جماعة الإخوان، وقتها، حوارا مع قداسة البابا سألته فيه عما يطلبه من الحزب فقال: ليست لى مطالب سوى الحرية والعدالة.

وحاولت جماعة الإخوان التودد الظاهرى للكنيسة وطلب السفير رفاعة الطهطاوى رئيس ديوان رئيس الجمهورية من قداسة البابا أن يحضر للاتحادية لالتقاط صور له مع الرئيس لتصدير صورة جيدة للرأى العام العالمي، لكن قداسة البابا اعتذر وأبلغ الرجل بأنه ليس ديكورا.

ومع الغليان الشعبى ضد الإخوان اتفق قداسة البابا مع شيخ الأزهر على زيارة الرئيس مرسى لنقل حالة الشارع له، وقاما بالزيارة بالفعل لكنهما فوجئا به فى واد آخر، وسألاه ماذا سيحدث بعد 30 يونيو؟ فأجاب ببرود: سيأتى 1 يوليو و2 يوليو و3 يوليو..

ويحكى الكتاب كيف تلقى قداسة البابا يوم الأربعاء 3 يوليو 2013 اتصالا من القيادة العامة للقوات المسلحة ليشارك فى اجتماع تاريخى بحضور شيخ الأزهر وممثلين عن رجال السياسة والشباب، وكيف نقلته طائرة هيلكوبتر من برج العرب إلى القاهرة، ثم تناقش الحضور فيما ينبغى فعله وتم التوافق على صيغة البيان الشهير، والذى راجعه لغويا شيخ الأزهر.

ويسرد قداسة البابا ما تعرضت له الكنائس فى مصر من اعتداءات عقب الثورة، وهو ما دفعه أن يخرج للرأى العام ليقول فى ثبات «لو حرقوا الكنائس، سنصلى فى المساجد، ولو حرقوا المساجد سنصلى فى الشوارع»، وقال أيضا مقولته التاريخية «وطن بلا كنائس، خير من كنائس بلا وطن»،

ووقفت الكنيسة المصرية بصلف وصلابة أمام البيانات المغلوطة فى الإعلام الغربي، وأكدت أن يد الإرهاب الآثمة تعتدى على مصر كلها مسلمين وأقباط، وأن الإسلام برىء من هذه الاعتداءات الدموية.

ويزخر الكتاب بمواقف عديدة لقداسة البابا مع ملوك ورؤساء دول العالم، ومنها مثلا لقاء مع المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل، سألته فيه عن تعرض المسيحيين فى مصر للاضطهاد وقالت له «أنا مثلا درست الفيزياء. فهل يسمح لك فى بلادكم كمسيحى أن تدرسها؟» وأجابها قداسة البابا «طبعا. أنا دارس للصيدلة فى بلادي».

وفى لقاء لقداسته مع الرئيس الروسى بوتين، فوجئ به يسأله عن أكبر مشكلة تواجه مصر، فأجابه بعد تفكير: التعليم. وأضاف أنه يتمنى أن يرتقى التعليم فى مصر.

كما كانت من اللقاءات الفارقة لقاء قداسة البابا بالرئيس الفلسطينى محمود عباس، والذى دعاه لزيارة فلسطين، وعندما وجده مترددا قال له «إن هذه الزيارة للسجين وليست للسجان» وحانت الفرصة بالفعل عندما تنيح مطران القدس وكتب فى وصيته أن يدفن هناك، وسافر البابا للصلاة عليه.

وفى المجمل فإن الحكايات مدهشة والشهادة واجبة والكتابة سلسة وجذابة.

والله أعلم.

[email protected]