بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قضية البقرة «جيسكى»

 

 

تجاور أمريكيان بمزرعتين للأبقار يفصل بينهما سور ارتفاعه أقل قليلا من متر والنصف. كانت الأبقار تلتقى ببعضها رأسا لرأس من فوق السور، ولاحظ صاحب أحد المزرعتين أن أحد ذكور البقر عنده منشغل جدا ببقرة بالمزرعة المجاورة، ويقف بالساعات أمامها، تتواصل مشاعرهما رغم السور الفاصل بينهما، وكما لو أن هناك من الاشتياق المتبادل ما يبرر تكرار هذا اللقاء الصامت، وما هو بصامت، كل يوم.. طلب صاحب مزرعة ذكر البقر من جاره بمزرعة البقرة الأنثى التى كانت تدعى «جيسكى» أن يسمح بزواجهما، وقوبل الطلب بالرفض، مما دفعه لرفع قضية بإحدى المحاكم يطلب الحكم لذكر البقر بالزواج من أنثى مزرعة الجيران، رحمة بهما ونزولا على تلك العاطفة الجياشة التى شهد بها كل من يعرفهما.. فى ذلك الوقت انشغلت وسائل الإعلام الأمريكية بقضية البقرة جيسكى المرفوعة أمام القضاء، وشغلت معها الرأى العام كل ليلة، وبلغة أيامنا كان هذا الموضوع وقتها محققًا لأعلى تريند متابعة من الأمريكيين.

حكاية البقرة جيسكى تقربنا من قضية تهمنا جميعا تتعلق بالإعلام الذى يجرى وراء التريند بشكل مرعب وأحيانا «مزعج وممل». الأمريكيون ومثلهم البريطانيون والفرنسيون وغيرهم لديهم نوعان من الإعلام – إعلام يقدم للناس كسلعة، وهو الباحث باستمرار عن أعلى نسبة مشاهدة ليحقق لنفسه أعلى دخل إعلانى، حتى لو أن الطريق للكسب سيظل دوما مفروشا بالفضائح والمهازل. أما الإعلام الثانى فهو الذى يقدم للناس كخدمة، وبنسبة كبيرة يكون إعلام الدولة التى تنفق عليه، وهى تعلم مسبقا أن هذا النوع من الإعلام لا يهدف للربح، وليس ذلك فقط، وإنما كثيرا ما تمنع الدولة نفسها أى صورة من صور الإعلان داخل المحطات المسموعة أو المرئية التى تقدم هذه الخدمة تجنبًا لتأثير وسطوة المال على المحتوى. فى أمريكا عشرات القنوات التلفزيونية التجارية التى تتعامل مع الاعلام كسلعة، لكن فى المقابل أنشأت الحكومة الفيدرالية الأمريكية شبكة (PBS) Public Broadcasting Service  (PBS) منذ عام 1952 وتحت مظلتها تعمل 354 محطة إذاعية وتلفزيونية تغطى كافة أنحاء الولايات المتحدة. شبكة PBS الأمريكية تحمل ميزانيتها على السى آى ايه، والخارجية الأمريكية والبنتاجون لأن الدولة تعتبر هذا النوع الخدمى من الإعلام وجه من أوجه الأمن القومى الأمريكى..

الأزمة تبدو واضحة لأن الكل يجرى وراء التريند والنجاح فى خطف الجمهور وإغرائه بالمزيد من الفضول والتشويق لحكايات جديدة أقرب للفضائح والمهازل كل ليلة.. ليس عيبا ولا غريبا أن تكون هناك منصات تقدم الإعلام للناس كسلعة مغلفة بسوليفان الإغراء، لكن من المهم نجد إعلاما يتحمل مسئولية التعبير عن قضايا الحاضر ويستشرف المستقبل.. وقضايا الوطن الحقيقية فى كل مجالات الحياة اقتصادا ومجتمعا وفنا وثقافة وتعليما ورياضة ودينا ودنيا.. ويقف خلفه الباحثون وأساتذة الاجتماع.