بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

هل انفرط عقد العالم؟

 

 

الحرب فى أوكرانيا ليست بداية انفراط لعقد العالم، ولكنها قد تكون الحبة الأكبر فى عقد بدأ انفراط حباته من مطلع تسعينيات القرن الماضى. عام 1989 سقط سور برلين، وفى عام 1991 انهار الاتحاد السوفيتى السابق، وقادت أمريكا تحالفًا دوليًّا ضد العراق الذى احتل الكويت فى الثانى من أغسطس 1990، وانتهى الأمر بتحرير الكويت 1991 واحتلال العراق 2003. فى 11 سبتمبر 2001 تم تدمير أبراج التجارة بنيويورك فى حدث مجهول الحقائق حتى اليوم، واجهته أمريكا باحتلال افغانستان فى ديسمبر 2001. تلك كانت بدايات نهاية نظام عالمى قديم تشكل بعد الحرب العالمية الثانية – 1939 – 1945 – ومن وقتها تغيرت قواعد لعبة الأمم، وبدأ الترويج لمقولات صدام الحضارات، والعدو الأخضر، فى إشارة إلى هزيمة العدو الأحمر «الاتحاد السوفيتى» أما العدو الأخضر فقصد به الإسلام والمسلمين.

خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضى بدأ نجم أحمر آخر فى السطوع، وهو نجم الصين الجديدة التى بدأت إعادة صياغة قوتها انطلاقا من جبروت الاقتصاد، واستطاع رجل قاد الصين من عام 1987 وهو «دينج هيسياو بينج» أن يحول هذا البلد إلى مصنع كبير للعالم. أمريكا استمرت فى غزو العالم بالسلاح والسيطرة على البحار، والصين رأت أن الغزو الناعم لكل بيت وحجرة صغيرة فى العالم بمخترعاتها وإنتاجها الغزير هو السلاح الأكثر نجاعة للسيطرة والنفوذ، مع اطمئنانها لحقيقة أنها قوة نووية عظمى من قبل ومن بعد.

تورطت أمريكا بغزو العراق وأفغانستان، والوقوف وراء تخريب سوريا، وتدمير اليمن، واسقاط نظام القذافى فى ليبيا، والعبث بالقرن الأفريقى، وفشلها فى الوصول بتونس ومصر لنفس المصير رغم وقوفها وراء الكثير من سيناريوهات القلاقل فى البلدين.

شمالا استمرت أمريكا فى حصد ثمار السقوط التاريخى للاتحاد السوفيتى السابق بالتوسع فى شرق أوروبا ولملمة حبات عقد الاتحاد السوفيتى المنفرطة سواء بضم بعضها إلى حلف الناتو أو باحتواء البعض الآخر داخل دوامات القوة الأمريكية.

للتاريخ قوانينه وسيرورته التى تمشى أحيانا عكس تيار القوى العظمى، وإلا ما كانت انهارت من قبل امبراطوريات فارس والرومان، وخطأ أمريكا حتى الآن أنها دولة لا تعترف بالتاريخ، ولديها الحق لأن عمرها الذى لم يتجاوز ثلاثمائة عام (4 يوليو 1776) يجعلها فى حالة احتقار دائم للتاريخ، والوقوف خارج مداراته. اطمأنت أمريكا إلى أنها امبراطورية محمية بالجغرافيا خلف المحيط، مع سيطرة غير مسبوقة تاريخيا على البحار فى العالم. من ناحية أخرى فإن امريكا مطمئنة إلى أن أوروبا تحت إمرتها، وجزء من نفوذها، وبحكم كل اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن حلفاء الأمس الذين أنقذتهم أمريكا من قبضة هتلر كان لابد أن يدفعوا الثمن من كرامتهم ودموعهم بالدوران فى فلك العم سام.

ولأن أمريكا التى لا تعترف بالتاريخ نسيت أو تجاهلت حقيقة أنها حسمت الحرب الثانية نوويا بضرب اليابان، وهو نفسه السلاح الذى يلوح به قيصر روسيا فلاديمير بوتين اليوم محذرا من يعتقدون بهزيمة روسيا فى اوكرانيا، أو يراهنون على تفكيك الاتحاد الروسى.

لو تصورنا بوتين فى وضع هتلر قبل نهاية الحرب الثانية، لابد أن نتنبه إلى أن بوتين 2022 ليس هتلر 1945 لأن الفوهلر الألمانى رغم أنيابه، لكنه كان بلا أذرع نارية هائلة الدمار، يعتمد عليها وقت أن يكون على وشك السقوط.. بوتين بترسانته النووية التى تصنف أنها الأكبر فى العالم، وبنزعته القومية التى تجعله على الدوام حالما بعودة روسيا العظمى إلى أمجاد قياصرتها الأوائل، وبتكوينه النفسى الذى يطل من بين حروف خطاباته، لن يقبل أى نهاية للحرب إلا أن يخرج منها بشروطه، ولعل أهمها أن يبتعد النفوذ الأمريكى – الأوروبى عن حدود روسيا لمسافات آمنة، والبديل مخيف، أو كما تقول امرأة عاقلة مثل المستشارة الألمانية السابقة انجيلا ميركيل «لا سلام فى اوروبا بدون روسيا» وإلا فإنها النهايات المبكرة للجميع.

الصين وتايوان جزء من حبات العقد النارى المنفرط، تركيا واليونان حبات على وشك الانفراط على أطراف القارة العجوز، وكوريا الشمالية كرة نار قابلة للتدحرج، وإسرائيل تسابق الزمن فى دق مساميرها برأس الشرق الأوسط، متباهية بسرقة وطن، وإيران عمائم توشك أن تكون نووية، وافريقيا غارقة فى حروب الجوع والفقر والاستبداد، وأمريكا اللاتينية لاتزال رقصة سامبا حائرة بين أخلاق آهات جيفارا وقبح اغراءات الدولار.

العالم تحول إلى مسرحية شكسبيرية تدفعه الأقدار للسقوط الكبير من قمة جبل الجنون.