خارج السطر
حكاية البشر كما رواها «أبوالحسن»
لا يبهرنا صدى الصوت. نوقن أنه تكرار. وهكذا هى الكتابة، فمتى اختلفت أنارت. لذا فإننى أرى الكتابة الحقة هى التى تكشف جديداً، وتطرح مستحدثاً، وتخالف قطيعاً، وتوقظ ناعساً. لا تكرر ولا تستنسخ، لا تساير ما هو سائر، وإنما تشتبك وتخربش وتفكك وتراوغ. وربما كان ذلك سبباً فى أن أتوقف كثيراً عند كتاب جديد بعنوان «300 ألف عام من الخوف» صدر قبل أيام عن المصرية اللبنانية للكاتب جمال أبوالحسن.
أما الكتاب فهو الأول باللغة العربية الذى يرصد قصة البشر منذ خطا أول إنسان على الأرض، متتبعاً تاريخ كل شىء وصولاً إلى الرسالة المحمدية فى قراءة عذبة لافتة لتحكى لنا كيف صنع الخوف حكاية البشر فدفعهم للفرار من الحيوانات المفترسة والعيش على الجمع والالتقاط؟ ثم كيف دفعهم الخوف من الآخرين إلى تكوين الجماعات وإنشاء المدن؟ وكيف عرفنا شفرة كل شىء، فانفجرت ينابيع العلوم والفنون، وقامت الحضارات وكبرت ثم انهارت؟ وكيف تتابعت الدول وتغيرت الأفكار وأنتجت الأيديولوجيات وقامت الحروب؟
يخبرنا الكتاب بأن الشفرة قد تختلف من زمن لزمن ومن مجتمع لآخر. ويذكر لنا على سبيل المثال كلمة «كووسة» التى تعنى فى بلادنا الواسطة والمحسوبية، فهذه الكلمة لو قيلت فى أمريكا فلن يفهم منها أحد سوى إشارة لنوع من الخضراوات. لكن أصل الحكاية أن تجار الخضراوات كانوا يقفون فى طابور الضرائب فى زمن المماليك ليدفعوا المكوس على ما يحملون قبل دخول السوق، وكان المحتسب يعفى الكوسة لأنها تفسد سريعاً، فكان من يقفون بالطابور يقولون «كوسة» حتى لا يدفعوا الضرائب المقررة. وهكذا تطورت الكلمة لتعبِّر عن الواسطة أو المحسوبية.
يحكى لنا الكتاب أيضاً أسباب انهيار الحضارات والدول مستخدماً نموذج الحضارة المصرية القديمة بما حققته من إنجازات. كيف سقطت وانهارت؟ يجيبنا الكتاب بأن ارتكاز الحضارة فى شخص واحد هو الفرعون جعل كل شىء مرهوناً بحكمته وقدرته، ورغم أن لهذا مكاسب ما، فإن له عيباً خطيراً وهو أن التأثير الكبير والاستثنائى لرأس الدولة على مسارها ومصيرها، مثلما هو الحال مع السمكة التى تفسد من رأسها. وهنا لم يكن مصادفة أن عصر الانهيار الأول للحضارة المصرية القديمة جاء على أثر موت فرعون طال بقاؤه فى السلطة حتى بلغ مائة عام، وهو بيبى الثانى ت 2184 ق. م.
حتى السياسة ومناوراتها تنشأ وتتطور وفق مواقف حقيقية. فمثلاً فى سنة 169 ق. م وصل إلى مصر أنطيوخوس قائد الدولة السلوقية مستهدفاً توسيع مملكته. وبعد أيام أرسلت الإمبراطورية الرومانية إليه رجلاً مسناً وخادمين، فاستقبلهما قرب الإسكندرية، ومد يده بالسلام على الرجل العجوز فلم يجبه، وقال له إننى لن أسلم عليك حتى أتلقى رداً إيجابياً. ورسم له دائرة على الرمل وقال له «عد إلى سوريا». وكان أغرب شىء حدث هو أن القائد الكبير قفل راجعاً إلى بلاده منسحباً بجيش عظيم أمام مسن لا حول له ولا قوة. لكن السبب ببساطة أن هذا الرجل الضعيف كان وراءه أقوى إمبراطورية فى العالم، لذا صحت مقولة الحكيم الصينى صن تزو «إن أفضل معركة هى التى تكسبها دون حرب».
هذا بعض ما احتواه الكتاب. أما مؤلفه جمال أبوالحسن، فتذكروا اسمه جيداً، فسيكون علامة فارقة فى طليعة مفكرى مصر المستقبل، وهو كاتب رصين، واسع الثقافة، شديد الذكاء، أكسبه عمله الدبلوماسى خبرات ومعارف شتى، وكتابه جدير ليس فقط بالقراءة وإنما بالمذاكرة.
والله أعلم.