خارج السطر
بلد النصف نصف
تعالوا نتفق ونختلف ونتحاور كديدن الأمم الراشدة الساعية للأفضل، فما الحوار الوطني، وغيره من حوارات إلا محاولة لمشاركة الأفكار وتجويد الأداء وتحسين الحياة للناس.
وربما ما كتبه وطرحه وناقشه الدكتور حسام بدراوى بشأن مستقبل أفضل لمصر فى كتاب رصين صدر عن الدار المصرية اللبنانية مؤخرا بعنوان «حوارات لجمهورية جديدة» يستحق أكثر من القراءة.
فالرجل طبيب وسياسى معروف، حاول من قبل أن يلعب دورا إصلاحيا فى الحزب الوطنى فى عهد مبارك، ولم يوفق، واشتهر بأطروحات عديدة لإصلاح وتطوير التعليم. وهو كما يقول منير عبد النور فى مقدمة الكتاب شخص مؤمن بالحوار وقام بفتح قنوات اتصال مع أحزاب المعارضة فى عهد مبارك، فعاقبته قيادات الحزب الوطنى بإسقاطه فى الانتخابات البرلمانية سنة 2005.
ويمكن أن نُلخص أفكار الكتاب فى أن مصر تحتاج لعدة دعائم للجمهورية الجديدة أولها الحفاظ على الاستقرار السياسي، وثانيها إحداث تغيير سلوكى كبير فى المجتمع من بوابة التعليم والثقافة والإعلام، وثالثها إجراء تغيير هيكلى فى بنية الاقتصاد يستهدف النمو والعدالة، فضلا عن إصلاح الجهاز الإداري، والحفاظ على البيئة، وغيرها من الأمور التى لا يُمكن الخلاف عليها.
لكن أهم ما فى كتاب حسام بدراوى هو وصفه لمصر ببلد النصف نصف، وهو توصيف حقيقى وعميق ويستحق أن نفكر فيه بموضوعية شديدة، فمصر منذ عام 1952 وحتى الآن بلد نصف ديمقراطي، نصف ديكتاتوري.
وفى تصور المفكر الكبير، فإن الديكتاتورية لها مزايا وعيوب، مثلما هو الحال مع الديمقراطية. ويعيب الديكتاتورية أنها تأخذ البلاد إلى التخلف بطريق مختصر، بينما تجعل الديمقراطية أغلبية الجهل تختار أسوأ ما فى المجتمع. وهناك قادة ديكتاتوريون صنعوا أمجادا عظيمة مثلما فعل مهاتير محمد فى ماليزيا والذى حكم 22 عاما، ومثل لى كوان فو فى سنغافورة، والذى كان ديكتاتوراعتيدا لكنه قاد بلاده نحو الرفاهية. ويرى «بدراوي» أن هناك فوائد للديكتاتورية فى بعض الأحيان، كما أن هناك مضار للديمقراطية خاصة عندما يسود الجهل وتتسع الفوضى وهو ما ظهر واضحا فى الشهور التالية لثورة يناير عندما اضطرت الدولة أن تزيد رواتب عاملين فى مؤسسات خاسرة تحت ضغط الشارع.
وعبر تاريخنا الحديث اخترنا نصف الديمقراطية التى تجعل اتخاذ أى قرار مستحيلا فى محاولة إرضاء الأغلبية، واخترنا نصف الديكتاتورية التى لا تجعل نوايا الإصلاح لا تكتمل. فالنصف هو أن تصل ولا تصل، وتعمل ولا تعمل، وتغيب وتحضر. وفى كافة المناحى نختار النصف فلو سألنا أنفسنا إن كانت مصر دولة مدنية أم دينية لجاءت الإجابة العميقة بأنها دولة نصف مدنية، نصف دينية. وفى التعليم والسياحة والتنمية نكتفى بنصف الحلول.
لكن حسام بدراوى يذكرنا بمقولة جبران الشهيرة «لا تختر نصف حل، ولا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل». والله أعلم.