بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

رجل الحفرة الذى عاش

 

 

 

 السيادة أن تملك ذاتك، السيادة أن تملك حياتك، أن تحيا عالمك الخاص كما تحب، وإن اضطررت للعيش وحيدًا معزولاً، رافضًا كل أشكال التطفل والتدخل لتغيير هذا العالم الخاص بك، السيادة هى حقنا فى تقرير ما نريد أن نصبح عليه، هذا ما فعله رجل «الحفرة» وهذه قصته.

منذ أيام أعلنت منظمة «النجاة الدولية– Survival International» وفاة «رجل الحفرة»، أحد سكان البرازيل الأصليين فى غابات الأمازون، اشتهر الرجل بهذا الاسم لكثرة الحفر التى صنعها للصيد والتخفى، عاش الرجل فى عزلة لمدة 26 عاماً، رافضًا الاتصال بأى أحد بعد مقتل ما تبقى من أفراد قبيلته عام 1995، ليبقى وحيدًا شاهدًا على عملية الإبادة الجماعية التى حدثت لقبيلته منذ السبعينيات.

 مات الرجل على أرجوحته، عن عمر يناهز الستين عاماً، شاهدًا على القسوة التى يمارسها المتعطشون لجنى الثروات على جثث الشعوب، عاش الرجل بطريقته ومنطقه الخاص بعيدًا عن زيف هذا العالم وأكاذيبه.

عاش الرجل ومات فى أحضان الطبيعة، دون خوف من وباء يلتهمه، أو استخدام دواء من شركات عابرة للقارات، لم ينبهر بوكالة ناسا وعلمها، ولم يعرف معنى الرعب من نشوب حرب نووية، مات الرجل ولم تنكس له الأعلام، ولم يهز خبر رحيله مشاعر العالم، مثلما حدث مع وفاة ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، التى شاءت الأقدار أن تلحق به بعد أيام معدودة، أتعرفون السبب الحقيقى لهذا التناقض وهذا التجاهل؟!، إنها الإجابة الكامنة فى معنى أن تكون إنسانًا، فى حضارة قامت على سفك الدماء باسم العرق الأفضل والسلالة الأنقى.

هذا الرجل الذى لم يعرف أحد اسمه أو لغته، يعيد للأذهان- ويجب أن يعيد للأذهان- عصر المستعمرات والبحث عن الموارد والزبائن، عصر استغلال العلم للسيطرة والهيمنة تحت مسمى العالمية والمواطن العالمى، يجب أن يعيد للأذهان مشهد وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين، وما ارتكبوه فى حق السكان الأصليين من عمليات نهب واستعباد وإبادة جماعية.

- وفاة هذا الرجل، يجب أن تعيد للأذهان مقولة «داروين»- عالم بريطانى 1809- 1882- أنه: «سيأتى زمن على الأعراق المتحضرة تبيد فيه الأعراق الهمجية وترث الأرض حتمًا»، ويجب أن تُذَكِّر جمهور المسرح العالمى بمشاهد عمليات التعقيم الجماعى والقسرى للفقراء من السود والهنود الحمر فى الولايات المتحدة التى حدثت فى ستينيات القرن الماضى، وكان الهدف منها قطع نسل 14 مليون فقير تقريباً، وكان تبرير رئيس المحكمة العليا الأمريكية «ونِدلِ هولمز» وقتها: «أولى بنا أن نقتل هؤلاء المنحطين فى الأرحام لتجنب إعدامهم بعد ذلك عندما يولدون، ويصبحون مجرمين أو فقراء يجوعون بسبب غبائهم»... هكذا ببساطة جاء التبرير!

- وفاة هذا الرجل يجب أن تعيد لذاكرتنا قتل هنود «الشيروكى» باستخدام بطانيات ملوثة بالجدرى، وما حدث فى كاليفورنيا إبان الحرب الأمريكية المكسيكية عام 1848 باعتماد قانون يسمح لأى شخص أبيض باستعباد السكان الأصليين، ثم رعاية «فرق الموت» التى قتلت الآلاف من الأطفال والرجال والنساء، وكانت المكافأة 50 سنتًا لكل فروة رأس، وخمسة دولارات للرأس كله.

- عاش «رجل الحفرة» منتصرًا لذاته ولحياته، ومات منتصرًا على قسوة حضارة لم ترحم عالمه الخاص، مات على أرجوحته يغطيه ريش ببغاء كان أرحم عليه منا، تاركًا لنا مقطع فيديو وحيدًا لم تتجاوز مدته ستين ثانية، تم تصويره خلسة وسط أشجاره، رحل الرجل تاركًا لنا حفرًا من الخوف والاستعباد والقسوة، فى عالم أصبح فيه منطق القوى وإرادته هى اللغة والعرق والدين.

- فى النهاية.. من يمتلك العلم يحوز القوة، ومن يمتلك القوة يفرض قانونه وقيمه وإرادته، وما دون ذلك ثقوب أشبه بالتى صنعها رجل الحفر للصيد والاختباء.

[email protected]