بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

يستحقون الحرمان منهم «1»

نهضت من مكانى فزعة، وكذلك فعلت القلة التى كانت متواجدة بالمكان فى هذا الوقت على صوت صرخات الرجل الذى كان يشتم ويرغى ويزبد، اعتقدت أنها مشاجرة مع أحد العمال أو رجال الأمن، فإذا بنا نجد احد رواد النادى ينهال صفعًا وضربًا على صبى فى العاشرة تقريبا من عمره وهو يردد بشكل هيستيري: «وسختهم تانى، أنت حيوان ما بتفهمش»، الغريب فى الأمر أن زوجته أم الولد كانت واقفة فى صمت ولا تحرك ساكناً.

لا أعرف لماذا أصيب الجميع بالوجوم وأيضا داء «الأنماليزم» أى وانا مالى أمام هذا المشهد، لم يتحرك أحد للتصدى لفعلة الرجل أو حتى معاتبته، بينما وجدتنى أقترب خطوات من الرجل وأشير له بكلتا يدى فى غضب، وانا قول بصوت خفيض كيلا يسمعه الولد: ليه؟، ليه كده؟ حرام عليك!.

حدجنى الرجل بنظرة نارية وكأنه يوشك على الهجوم علي، ثم ولى وجهه عنى متجاهلًا وعاد لمقعده، فيما جلس الولد بجانب أمه النحيلة الهائشة الشعر فى سكون غريب دون أن يصدر عنه أى ردة فعل، وكأنه معتاد على ما فعله معه والده من ضرب وسب وإهانة فى كل وقت وأى مكان عام، أو عله يعلم أن أى اعتراض أو مقاومة ستزيد العقاب له من أب مؤذٍ.

شاهدت الولد قبيل حدوث «وصلة الضرب والإهانة له»، يسير بقدمين ملتويتين فى بطء قادمًا من دورة المياه، وقد أمسكت به أمه من ذراعه لتقوده إلى حيث كانا يجلسان مع الأب، وقبل أن يصلا، لسوء حظ الولد، وضع يده المغسولة فى طفولة بريئة أو عله عدم ادراك على السور الحديدى، الذى يفصل الجالسين عن نهر النيل بنادى الزمالك، وكان لمسه للسور هو الجريمة التى استشاط لها الأب فجن جنونه، وانفجر كالقنبلة فى وجه ابنه، كان غضبه لأن الولد لامس السور بعد أن غسل يديه، وكأنه يخشى على ولده من تلوث يديه بالأتربة، ولا يخشى من تدمير ما تبقى منه نفسيًا وإنسانيًا، فبعد نوبة الضرب والسب، جذبه من ذراعه فى عنف وصرخ فى أمه لتصب على يديه بعض الماء من زجاجة معه، وفرك كفى الولد بنفس العنف الذى ضربه به.

قد يعنف أب ولده، أو حتى يخرج عن شعوره فيضربه ضربة خفيفة عقابًا على امر ما- وإن كنت أرفض تمامًا عقاب الضرب- كما أرفض إهانة طفل فى مكان عام، ولكن أن يكون الطفل معاقًا ذهنياً، وأيضا به إعاقة بدنية بساقية، فهذا ما لا يقبله أى آدمى يحمل قلبًا بين أضلعه، فقد كان الطفل المعنف من ذوى الاحتياجات، ويبدو مستوى ذكائه ضعيفا بالمقارنة بسنوات عمره، ولم يرفق الأب لحال ابنه ولا لإعاقته ومستوى ذكائه، بل أفرغ به شحنة غضب وحنق لا آدمية على سبب تافه جداً: الولد أمسك بالسور الحديدى بعد أن غسل يديه.

عاد المتواجدون إلى مقاعدهم وهم يضربون كفًا بكف، فيما احتضنت أم أخرى طفلتها ذات السنوات السبع فى حنو، وكأنها تطمئنها أنها ليست مثل هذا الأب المتوحش، وليست مثل أم الطفل، الأم المتواطئة مع وحشية الأب بالصمت.

كثيرون مبتلون بأطفال من ذوى الاحتياجات، ولكن يبدو أن قلة فقط هى التى تعرف كيف تتعامل مع هذا الطفل البائس المسكين حتى وإن تمتعوا بمستويات اقتصادية واجتماعية راقية، أو كيف يتعاملون بالصورة الإنسانية المطلوبة ويساعدونه على تعلم مهارات الحياة فى صبر وأناة، حتى يعتمد على نفسه تدريجياً، ويثق فى قدراته، ولا يكبر وهو عالة أو كل على صاحبه والمجتمع، فى زمن لا يتم التوقف فيه كثيرًا لمراعاة حالات المعاقين، وقلت لنفسى لو كان هذا المشهد فى بلد غربى، لأبلغت أنا أو غيرى الشرطة، وتم القبض على الأب وتم اخذ الطفل منه بالقانون، وحرمانه منه للأبد و... للحديث بقية.

[email protected]