يا عزيزى كلهم لصوص
مع موسيقى تميل إلى النغمات الجنائزية، نشرت وكالة رويترز «فيديو جراف» متضمنًا مجموعة من اللقطات «لأحجار الجوع »، التى ظهر مؤخرًا على طول نهر الراين فى ألمانيا، تكفيك فقط 57 ثانية هى مدة هذا الفيديو، لأن تتذوق مرارة الجفاف فى حلقك مع كل قطرة مياه تقل فى تلك الأنهار، وتزداد معها ضربات قلبك، كلما زادت جرعة الأخبار التى تتحدث عن التغيرات المناخية التى تضرب العالم، وما تحمله من مخاطر ستطول الجميع رغم بُعد المسافات والأزمنة.
هذه النغمات الجنائزية، مع قراءة رسالة موجزة يحملها الحجر تقول: «إذا رأيتنى.. فابكِ»، كافية لتنقش بداخلك خوفًا لا يمحى، وتزيد قلبك المهموم هماً، وتحفر تلك السطور بداخلك رعباً، لا يمكن زواله بتناول قرصين من المهدئات، ولا تنفع معه جرعات زائدة من التصريحات المسكنة للآلام.
هذه الأحجار التى تمثل نصبًا تذكاريًا ينبئ بالقحط والمجاعة، تم نحتها فى جوانب الأنهار بعد موجات جفاف ضربت أوروبا على فترات زمنية مختلفة تعود إلى 1417، لتحذر الأجيال القادمة من المجاعة متى وصل منسوب المياه إلى مستوى تظهر معه هذه الأحجار، وظهرت تلك الأحجار والنقوش المشئومة لأول مرة فى نهر ألبه 1918، ويرجع البعض تاريخ تلك النقوش إلى 1616.
ومع تكرار موجات الجفاف وتحديدًا فى عام 2018، وعلى طريقة تلك النقوش، قامت «منظمة السلام الأخضر Greenpeace» بنقش رسالة على حجر فى ألمانيا يقول: «إذا رأيتنى، فقد وصلت أزمة المناخ.. أغسطس 2018».
ومع إعلان الصين–الخميس الماضي–حالة الطوارئ والتأهب القصوى، بسبب الجفاف الذى أصابها، وجفاف ما يصل إلى 66 نهرًا فى أراضيها.. تأكد تمامًا أن أزمة المناخ قد وصلت، ولا مفر منها، فماذا نحن فاعلون؟، هذا السؤال هو المهم والأهم والأكثر أهمية فى الأيام القادمة.
ومن الأجواء والتغيرات المناخية، ننتقل إلى «الأجواء التويترية »–نسبة إلى منصة تويتر–، فمع مرارة الجفاف الذى يخشاه العالم، وما يصاحبه من أزمات غذاء عالمية، نتذوق نحن هنا مرارة «نقوش» من نوع آخر، وهى مرارة « السخافات والخناقات والتحريضات التويترية» التى يكتبها عدد من صفوة المجتمع–كما يطلق عليهم–، وتظهر إلينا تلك الزوابع التغريدية، عندما ينحسر الانسجام بينهم، وتطفو إلينا عندما يزداد منسوب الخلاف وتتباين المصالح فيما بينهم، تلك «النقوش التويترية» التى أقصدها، لا تحمل رسائل تحذيرية كنقوش حجر الجوع، بل هى نوع من الاتهامات المعلنة والمبطنة بالغمز، والهمز، واللمز، عبارات تصل إلى مرحلة الألغاز، والكلمات المتقاطعة، وعلى المتابعين فك شفرة تلك الألغاز وهذه الكلمات.
تلك المشاحنات المتبادلة التى أعنيها، تحمل بين سطورها اتهامات بالنصب، وانعدام الأخلاق، وإثارة الفتنة، مشاجرات تصيبنا بهم فوق همِ، مشاحنات تترك الكثير منا أسيرًا لعمليات الاستنتاج والفهلوة، لا نعرف بعدها من الجانى ومن الضحية، ولا نعرف بعدها من اللص ومن الشريف.
والسؤال: لماذا تظهر إلينا تلك «السخافات التويترية»؟.. يمكنك استخدام سلاح الفهلوة واستنتاج الإجابة إذا أردت، بناءً على المثل الشعبى: «ما شافهومش وهما بيسرقوا شافوهم وهما بيتحاسبوا»، وهذا المثل يلخص دورة ظهور هذه «الأجواء التويترية» وأصحابها، التى تبدأ بالاتفاق والمعايشة، ثم مرحلة السمن على العسل، ثم تقسيم الغنيمة، لتأتى المرحلة الأخيرة وهى الاختلاف، وفى هذه المرحلة تظهر الاتهامات المتبادلة، ويظهر الغمز واللمز.. وهكذا تبدأ وتنتهى الدورة الكاملة لهم، مثل دورة المياه فى الحياة، تبدأ بالتبخير والتكثيف مرورًا بعملية الهطول ثم تصل إلى عملية الترشيح إلى باطن الأرض، ثم تبدأ الدورة من جديد.
- تلك المشاهد واللقطات المضحكة المبكية، تلخصها ضحكات الفنان الراقى الراحل محمود عبدالعزيز، فى المشهد الأخير من فيلم «يا عزيزى كلنا لصوص»، وهو يتحدث تليفونيًا إلى لص آخر، ويقول: «يا عزيزى كلنا لصوص»..
- فى النهاية يا عزيزى.. من يسرق حلمك وعمرك وحياتك فهو لص، من يريد إشعال الفتنة ويريد بمصر وأهلها السوء فهو مجرم ولص، من يتربح من جوع الناس وآلامهم فهو لص، من يضلل الناس ويسمم أفكارهم فهو لص، يا عزيزى كلهم لصوص.