بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أغانى الراب

أغانى الراب المنتشرة بأوساط الشباب ليست مجرد «موضة غنائية»، ولكنها تعبير عن حالة وجودية مأزومة يعيشها الشباب.. إذا كان يعنينا سؤال -مصر إلى أين- فعلينا أن نخصص وقتا للاستماع لأغانى الراب هذه وتأمل كلماتها بالتحليل النفسى وبالبحث عن الأبعاد الاجتماعية والفلسفية للحالة التى يعيشها قطاع كبير من الشباب خاصة المتعلمين..  خصصت وقتا محددا لمدة أسبوع متنقلا بين كثير من أغانى الراب، أعتقد أننى وجدت نفسى أمام أجيال فى حالة خواء نفسى مرعب، وفقر شعورى أخطر من الفقر المادى. 

الحالة التى أتصور أن كثير من الشباب يعيشها، وهى حالة الفقر النفسى، والانكسار والعدمية والهروب من الواقع بالتمرد عليه عاطفيا على الأقل، هى حالة بالتأكيد خطيرة وتؤكد أن هناك أدوارا غائبة لمؤسسات فى الدولة هى الآخرة فى أزمة وعاجزة عن الفعل خاصة التعليم والثقافة والدين. أزمة الشباب لو اختزلتها فى كلمتين فقط سأقول «انعدام اليقين». هؤلاء الشباب عيونهم أصبحت خلف رؤوسهم لأنهم اطالوا النظر للأمان ولم يهتدوا لشىء، ولم تشدهم قدوة ومنظومة قيم حولها اتفاق ورضا من العقل الجمعى للمجتمع .. انعدام اليقين يعنى أن الحياة لم يعد لها معنى، وأن المسافة بين السماء والأرض ضاقت وقصرت لدرجة الشك أن هناك فارقا بينهما فى المكانة والمكان.. مثلا عندما اسمع لأغنية راب بعنوان حياة الخطر تقول: من غير ولا كلمة، عيون مفتوحة وشايفة قيود الذل، من غير ولا غنوة صوتنا مكتوم بس هيوصل للكل. اعتقد أن الشباب الذى يردد هذه الكلمات وربما يرقص على أنغامها -لا يرددها مستمتعا ولكن يتلذذ بها لأنها تخدر آلامه وتسكتها بعض الوقت- ايقاعات الكلام هنا لها تأثير طبول «الزار» التى يفقد الدائرون فى حلقته الشعور بالزمن والمكان ويسقطون مغشيا عليهم الواحد تلو الآخر.. تصوروا كلمات اغنية تقول: مخك واقف قلبك عطل ولا حاسس بالمكان، قلبك ميت شايل سيفك وناسى انك انسان. المتأمل لكل كلمة وكل حرف يدرك أننا لسنا أمام كلمات تعبر عن معنى، ولكننا أمام جيل ينزف وعلينا أن نسأل أنفسنا عن -أى مصير ينتظر هذه الأجيال اليوم وغدا- وما يخيفنى إلى حد الشعور بالرعب أن المشهد العام يبدو فيه الناس فى حالة انشغال بلا عمل، وهرولة بلا هدف، وعزلة واغتراب حتى فى قلب زحام أكثر من مائة مليون. هذا المشهد كما أراه لايمنح أحدا ولو لحظة تأمل وشعور بمن حوله، ومن هنا تأتى حالة الاغتراب الشبابية التى أحد وجوهها أحيانا الانتقام عنفا ممن نحب ونهوى، كما رأينا وتابعنا قصص القتل باسم الحب.

ومع أغنية أخرى أتوقف أمام انهيار اليقين الدينى أو عدم جدواه بنظر البعض  تقول الكلمات: مسير مش مخير، اصل الفكر لازم يتغير، نظرة شر فى كل مكان، بتقول للخير عمرك ده قصير. للأسف الشديد المؤسسات المسئولة عن صياغة الحياة بشكل مقبول ومعقول غائبة عن المشهد.. التعليم متأزم وأشبه بأغنية راب كتبت كلماتها بمداد دمائنا، والثقافة ليست على ما يبدو شأنا مهما على خارطة التخطيط القومى. أما المؤسسات الدينية التى وخاصة الأزهر الشريف فإنها من خشيتها أن ينفرط العقد، تزيد من تمسكها بالحبال القديمة، ويكفى أن الأزهر كمؤسسة لم تفرز للمجتمع من دارسيها منذ نصف قرن رمزا من رموز التنوير، وتدعمه وتظهر ايمانها بما يدعو اليه، ومن أجمل ما سمعت من كلمات كانت لأغنية «عايش فى بلدى» وتقول: امشى جنب الحيط يحتار عدوك فيك، للاسف طلع الحيط أكبر عدو ليك. قوة المعنى هنا فى بساطته وجمال قدرته على الكشف، لأن حالة الخنوع والخوف من المغامرة، والانكفاء على الذات أملا فى تجنب المخاطر، تصل بالواحد منا أن يكتشف فى النهاية أن الحيط الذى احتمينا به أصبح القبر الذى آوى عظامنا..

مطلوب أن نسمع الشباب، ونسمع ما يسمع الشباب، وكنت أتمنى أن يكون من ملفات الحوار الوطنى ملف خاص بالشباب الذى لا نعرفه ولم نفهمه بعد.