بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

لاتقتلوا أولادكم..

 

 

 

هل يكون الإنسان فى أفضل حالاته لو ظل عشرات الأعوام ثابتا على فكرة بعينها؟ أم أن الكمال مرهون بالصدق وحده، سواء اقتضى الأمر ثباتا على الفكرة أم انقلابا عليها؟. هذه الأسئلة طرحها على نفسه المفكر الكبير الدكتور زكى نجيب محمود من بدايات حياته مع الفلسفة والفكر منذ أربعينيات القرن الماضى، وحسم الرجل الإجابة فى كلمة واحدة هى «الصدق»، قاصدًا الصدق للفكرة سواء التى تتمسك بها أو التى تستغنى بها عن أفكار قديمة. وقد جال بخاطرى وأنا أقرأ عن الدكتور زكى نجيب محمود أحوال شبابنا اليوم وهم يقفون من الحياة موقفا مرتبكا وتائها لأنهم ببساطة ولدوا وتربوا فى مجتمع يتمسك بالقديم ليس إخلاصًا لمحتواه الحياتى والفكرى، ولكن عجزًا عن تأمل الحياة والكون بعقل نقدى متجدد ومتغير.. ومن الغريب أننا منذ قرون ونحن نولد جيلا وراء جيل لنعيش مخلصين للماضى، وفى حالة خصام مع المستقبل. قبل يومين ظهرت نتيجة الثانوية العامة، والتى أصبحت حدثا كونيا فى مصر، أقرب ما يكون للظواهر الطبيعية المخيفة التى تهددنا وجوديا، بدلا من أن تشجعنا على الفرح والإقبال على قادم الأيام بروح جديدة وعقول متفتحة على فرص الغد، وليست منغلقة على جثث الأمس.. العالم من حولنا يتغير، وواقع التطور العلمى والتكنولوجى يؤكد أن العالم الذى نعيشه اليوم لن يكون أبدا هو العالم غدا.. آلاف من المهن والأعمال ستختفى وأمامها ستظهر أيضا آلاف من الأعمال الجديدة. ومن السطحية والجهالة أن نختار لأبنائنا وأحفادنا اليوم الطريقة التى يفكرون بها، والعلم الذى يدرسونه، والجامعة التى يلتحقون بها.. أقول من الجهالة لأن الكثير من التخصصات الأكاديمية التى تدرس اليوم قد لا يكون لها نصيب من الحياة وفرص العمل فى المستقبل القريب. علموا أولادكم حب التمرد على القوالب الجامدة والقديمة، وشجعوهم على التعرف على العالم الجديد بعلومه وتقنياته لأن فرص العمل من الآن وخلال عشر سنوات على الأكثر لن تكون متاحة إلا لأصحاب المهارات الخاصة فى علوم وتخصصات معينه. استمعت قبل يومين لأحد أوائل الثانوية العامة «علمى» وهو يقول إننى لن أسعى لكليات القمة كالطب والهندسة، ولكنى سأدرس «بيزنس». سعدت كثيرا بهذا الشاب الذى اختار التخصص الذى سيتيح له فرصة العمل فى مصر وخارجها بسهولة وبمقابل مجزٍ.. ربوا أولادكم على حقيقة أن الدين ليس فى ظاهر العبادات ولكنه فى حقيقة الأعمال الطيبة، وأن كل الأديان بها من القيم العظيمة ما يعين الإنسان على الغبداع والنجاح، ولكن الكثير منا ترك كل ذلك، واختار من التدين قشوره الهشة التى لا تضيف لصاحبها إلا ميله للتعصب، وغرقه فى السطحية، وإمعانه فى الكذب. حتى الأديان والتدين أصبح لها نوافذ جديده فى عصرنا الحديث – نوافذ تطل على القيمة وليس الوعد، وعلى الاستثمار فى قوة الروح، وليس الانشغال بشراء صكوك غفران والبحث عن أعلى عائد لودائع الإيمان الشكلى.

قولوا لأولادكم وأحفادكم إن مصر ليست منكوبة، ولكن مشكلتها، أنها قبلت أن تظل تزرع فى صحارى الماضى، وقبل أهلها أن يكونوا رعية بحاجة لراعى يهش ويزجر ويخيف.. مصر ليست منكوبة ومتأخرة بحكم سماوى، ولكنها وأهلها للأسف منذ عقود طويلة اختاروا الوقوف بالمكان الخطأ، واختاروا العيش فى الزمان الخطأ، وسيطول وقوفهم بمحطات الأمل السرابية، ولن يأتى القطار لأن مواكب الماضى لا تأتى إلا بالموتى وجثث أفكارهم.

ربوا أولادكم على أن الكرامة فى العلم وليس الغش، وأن النجاح يوزن بمعيار المهارات والجدارات، وليس بمكيال الدرجات، وأن السفر للمستقبل فريضة واجبة، والعيش فى الماضى نقيصة دائمة. وعندما يكبر أولادكم وأحفادكم تعلموا منهم لغة عصرهم، ولا تحرموهم من حرية الاختيار، لا تختاروا لهم ماذا يلبسون أو يسمعون أو يشاهدون.. امنحوهم فرصة التجربة والخطأ، لأنها أعظم تجربة ستدربهم وتحببهم فى الاعتدال ورشد الأفكار.. الضعف الوحيد المشروع والذى يفتح مسام الحياة ويصطاد لحظات الفرح، هو الضعف أمام غواية التغيير.. لماذا نخاف أن نتغير رغم أن الثبات أحد سمات الموتى.. تغيروا تصحوا، وتجددوا تعيشوا أعمارا فوق أعماركم، وتذكروا معى عبارة جميلة لشيخ حارتنا نجيب محفوظ الذى قال يوما: الخوف لا يمنع الموت ولكنه يمنع الحياة..