حكاية وطن
القمة والقاع فى الثانوية العامة
فى فترة التسعينيات كان مجلس الشعب يناقش فى إحدى جلساته طلبات إحاطة عن السحابة السوداء التى تتسبب فى تلوث الجو نتيجة حرق قش الأرز، كانت الدكتورة نادية مكرم عبيد هى وزير البيئة فى ذلك الوقت، وبعد انتهاء النواب من عرض طلبات الإحاطة التى تناولوا فيها أضرار السحابة السوداء، خاصة تأثريها على مرضى الحساسية، وقفت وزيرة البيئة فى قاعة المجلس ملخصة إجابتها على طلبات الإحاطة قائلة بكل ثقة: «إحنا اللى دهنا الهوا دوكو»!!!
ضحك رئيس المجلس لهذه العبارة التى انطلقت من فم الوزيرة مع إشارة من يدها للفت نظر النواب وسألها فى اندهاش يعنى إيه دهنتوا الهوا دوكو، أوضحت الوزيرة أن الإجراءات التى اتخذتها وزارة البيئة منذ ظهور السحابة السوداء، أدت إلى انقشاع السحابة تماما بعد معرفة مصدرها وأسبابها، وعادت السماء صافية، كأنها أخذت وش لمعة طبيعية، فضية، وقدمت ملفا إلى مجلس الشعب بالجهود التى قامت بها فروع مكاتب البيئة فى محافظات زراعة الأرز ولن تعود السحابة مرة أخرى، وانتهى الأمر بالتصفيق الحاد للوزيرة، السحابة لم تكن انتهت تماما، لكنها بدأت تقل تدريجيا، إلى أن انقشعت بعد تطبيق عدة طرق للتخلص من قش الأرز.
مع صدور نتيجة امتحانات الثانوية العامة نرجو من المجتمع المصرى وبعد الانتهاء من ارتشاف شربات النجاح يا رب فى كل بيت مصرى، أن يجهز مشروعا عاجلا يتخلص به من جريمة التفرقة العنصرية بين الكليات الجامعية، والتى أدت إلى وجود كليات قمة وكليات قاع، هذه التفرقة الظالمة التى جاء بها عصر الانفتاح.
المصطلح أو التعبير الذى أطلقته وزيرة البيئة الدكتورة نادية مكرم عبيد، عندما استطاعت أن تحجم السحابة السوداء التى عكننت على المصريين معظم شهور العام، نريد أن نسمع مثله من وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقى بأن يقول لنا «إحنا اللى قضينا على بعبع الثانوية العامة»، وأن تكون امتحانات الثانوية العامة هذا العام بعد إعلان نتائجها وارتشاف شربات النجاح فى كل بيت مصرى آخر سنة يسيطر عليها البعبع، وأن نبدأ العام الجديد بفصل دراسى جديد وامتحانات جديدة فى العام القادم تحوطها ملائكة الرحمة وتبتعد عنها «البعابع» والشياطين.
اللى حضر البعبع يصرفه، والذين حضروا بعبع الثانوية العامة وحولوا حياة طلاب الثانوية العامة إلى جحيم كثر، منهم مافيا الدروس الخصوصية الذين تفرغوا لنشل أولياء الأمور فى قلب الظهر بدون آلة حادة، أو سكين، هم يحصلون على أموالهم جهارا نهارا وبإرادتهم بعد استغلالهم مصطلح كليات القمة وكليات القاع فى فرض الدروس الخصوصية بعد اقتناع الطلاب بأنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافهم فى دخول كليات القمة، والتى انحصرت فى الطب وفروعه والهندسة، أما باقى الكليات فأخذت اسم كليات القاع، وهذه تفرقة عنصرية بين الكليات الجامعية وأسلوب تنمر دفع المجتمع بالكامل ثمنه، بعد أن حوّل الثانوية العامة إلى بعبع يخيف الجميع من الوزارة إلى المجتمع إلى الطلاب، يساعد فى ذلك الخوف المتوحش نظام التنسيق الذى تعتبره الدولة الآلية المحايدة لإلحاق الطلاب بالجامعات.
بئس التسمية، وبئس الألقاب، عندما يتمسك بكليات قمة وكليات قاع، وتساهم فى فشل نظام التعليم عندما يسيطر الغش على الامتحانات، فى تسرب فج للأسئلة لتدخل بعدها الإجابة للطلاب لمساعدتهم فى الحصول على مجموع كليات القمة ليخرج خريجون فاشلون يؤدون إلى إهدار القيم والمبادئ لأنهم حصلوا على مواقعهم بالغش.
لن نظلم طلابا اجتهدوا واعتمدوا على أنفسهم وحصلوا على مجموع يؤهلهم لكليات الطب والهندسة بمجهودهم، وهؤلاء نوجه إليهم الشكر ونهنئتهم على نجاحهم المستحق لأنه ثمر كفاح وجهد وتراكم معلومات، لكن مجهود هؤلاء يضيع كل عام أمام ما يسمى ببعبع الثانوية العامة، ومهازل الغش، وجشع أباطرة الدروس الخصوصية، وفشل المدارس فى إقناع الطلاب بأن التعليم بالمجان فى مدارس الحكومة وليس فى السوبر ماركت.
مطلوب بعد إعلان نتائج الثانوية العامة ألا تعود «ريما إلى عادتها القديمة»، نريد أن يجلس المجتمع المصرى مع نفسه، بعد تشكيل لحنة تضم كافة أطياف المجتمع لبحث وضع حل لرد اعتبار جميع الكليات الجامعية وإلغاء حكاية قمة وقاع، وإقناع الطلاب وأولياء الأمور بأن كل الكليات من الممكن أن تقدم للمجتمع علماء وفنيين ومخترعين وفلاسفة حتى نخف التركيز على كليات القمة، مطلوب أن نجعل جميع الكليات كليات قمة، وأن ندرب الطلاب على التركيز على الهواية وليس على المجموع، وأن تتم إعادة النظر فى مكتب التنسيق عن طريق اختيار نظام جديد للقبول بالجامعات، للحد من الدروس الخصوصية التى أفسدت العملية التعليمية، وحولت المدارس إلى مبانٍ خالية من الحياة والحركة، ومن العلم عندما تسرب التعليم إلى المناطق العشوائية يشاركه القطاع الخاص الذى أصبح يستقبل الأعداد الزائدة عن كليات القمة الحكومية، التعليم أصبح تجارة وسط هواء مسموم وماء ملوث مطلوب إنقاذه.