بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

عندما يأتى المساء..

 

 

من طفولة الكون الأولى حتى يومنا هذا، والإنسان يبحث عن السعادة، وفى زماننا ورغم التطور الهائل فى ابتكار كل شىء يبهج الإنسان ويريحه إلا أن هناك شعورًا ما بالشقاء يسيطر على المزاج الجمعى للناس.. استلهام السعادة يحتاج لدرجة من الوعى، والحرية هى بوابة الوعى الحقيقية. عندما يملك الانسان حريته فى أن يفكر ويبوح ويؤمن ويتمرد ويبتهل ويرقص- هنا يكون مؤهلا لفهم حقيقة السعادة. السعادة مسألة عقلية ترتبط بقدرة الإنسان على الربط بين ما يفكر به وما يفعله وهذا خلاف اللذة التى هى مسألة حسية بحتة. أحيانًا نقبل على اللذة، ونعيش لحظاتها الأثيرية ثم نمضى.. اللذة ليست فقط اللذة الجنسية ولكن مفهوم اللذة ينطبق على كل ما يستهوى النفس ويحقق لها حالة من النشوة المؤقتة بغض النظر عن حالة ما بعد النشوة.. أعتقد أننا وصلنا لمرحلة من الشقاء الجمعى فى العقود الثلاثة الأخيرة حصرت مفهوم السعادة فى القدرة على الافلات من الألم.. أى أنك سعيد بقدر مهارتك على الإفلات من المصائب أو الصبر عليها والتعود على مرارتها.. فى علم الاجتماع ما يعرف بـ«العزلة الجماعية» والمقصود بها سيطرة مشاعر الاغتراب عن الواقع على معظم الناس، وميل غالبية المجتمع لاستبدال الواقع الفعلى بواقع وهمى أو افتراضى يخلقون معه عالما يتصورون أنه العالم الممكن عوضا عن العالم المستحيل، بل يخلقون لأنفسهم تدينًا بديلًا يغنيهم عن التدين الرشيد. واقع الخوف والصمت الجماعى يخلق نوعًا من «التقية» أى ان تخفى حقيقة موقفك اتقاء شر أو ضرر قد يتسبب به الجهر بمكنون هذه المواقف.. مصيبة حالة «التقية» أنها تؤسس لحالة من الكذب الجمعى، واليقين الخادع، وتسمح بتصدر البلهاء والسفهاء لكثير من نواصى الحياة، لأنهم الأقدر على صناعة الوهم وتسويقه لجمهور فقد اليقين، ولم يعد قادرا لا على استرداد ماض يتشوق إليه، ولا على صناعة مستقبل يعجز عن فهم لغته وامتلاك أدواته.

هناك رواية اسمها «تاييس» لأديب فرنسا أناتول فرانس.. وتاييس بالرواية كانت راقصة بالإسكندرية تعبت من اللهو والسهر والرذيلة فقررت أن تدخل الدير.. وفى نفس الوقت ضاق أحد الرهبان من حياة الدير والزهد والتقشف والبعد عن ملذات الدنيا، فقرر أن يذهب إلى الإسكندرية ويستدرك ما فاته، وفى منتصف الطريق التقت تاييس والراهب، ولم تكد تراه تاييس حتى انحنت عند قدميه تقول: من أجل أن أعيش حياتك النظيفة الشريفة هربت من وكر العار والحيوانية، فأنت آخرتى.. فقال لها الراهب: وأنا هربت من برودة الدير وظلامه، وهربت من ارتكابى لجريمة يومية، هى أن أقتل إنسانيتى.. إننى ذاهب لكى أراك فى الاسكندرية ترقصين وتشربين، فأنت دنياى.. ولم تفلح تاييس فى اقناع الراهب أن يعود للدير ولا هو أفلح فى اقناعها أن تعود إلى شواطئ الهوى بالاسكندرية.

أتصور أننا كمصريين نعيش ثنائيات هذه الحالة منذ عقود طويلة، حالة الايمان والغواية، حالة الراهب والراقصة، حالة اللص والقديس، حالة القاضى والجلاد، حالة القاتل والضحية.. أزمة المصريين الآن فى ذلك الشعور القاتل باللازمان واللامكان.. شعور بحتمية الانفصال عن كل القيم والاغنيات التى ترددت فى ليالى الحلم.. شعور من البعض بالرغبة القاتلة فى الارتداد وشعور لدى البعض الآخر بالرغبة الآسرة فى البكاء والانزواء والموت حزنا، وكأن صوت الرائع صلاح عبدالصبور يردد مطلع قصيدته «يا صاحبى إنى حزين: طلع الصباح فما ابتسمت ولم ينر وجهى الصباح، وأتى المساء، فى غرفتى دلف المساء، والحزن يولد فى المساء لأنه حزن ضرير، حزن طويل كالطريق من الجحيم إلى الجحيم.

اختلطت الأوراق فى العقود القليلة الماضية، وانتحرت معانى الكلمات من فرط احتقارها وابتذالها.. كثيرون انسحبوا من المشهد يأسا أو احتراما لأنفسهم، وآخرون تقدموا لواجهة المسرح ضاربين الدفوف ومهللين كلما انهمر نقوط الفرح أو التهبت دموع المعزين.. وفى غمرة الاقبال والإدبار تموت أشياء كثيرة ما كان لها أن تموت..».