أوراق مسافرة
الـ«فيك بوك»2
«من فضلك أنت إنسان سيئ»، وددت كثيرًا أن أقولها تأدبًا لأشخاص أصبحوا مرضى نفسيين، أو شبه مرضى، من فرط شعورهم بوهم كبير بالعظمة والتفرد، وانهم فلتة من فلتات هذا الزمان، وتبًا لتلك الأداة الاستعراضية العجيبة «فيس بوك» التى أسهمت فى السنوات الأخيرة فى تغذية مشاعر الوهم لدى الكثيرين، وأسهمت فى صناعة أقنعة ووجوه مزيفة بعيدة تمامًا عن حقيقة الأشخاص، ولا اقصد بكلامى من ينشئون اكونتات وصفحات بأسماء وشخصيات وهمية وغير حقيقية، وإن كان فى هذا مصيبة أيضا، ولكن اقصد من يقوم بصناعة شخصية مغايرة لحقيقته عبر الصفحة التى تحمل اسمه، إذ يصنع لنفسه شخصية مثالية رائعة مبدعة، وأصدقاء صفحته يؤمنون على هذا الوهم، حتى يصدق نفسه، وينتفخ ويتعملق، ويعيش وهمًا كبيرًا اسمه «الأنا»، وللأسف نسهم جميعا فى صناعة هؤلاء النجوم « الفالصو» ونرتكب فى هذا وزرًا لا ندركه، فتزكية إنسان بغير حق هو وزر أمام الله.
وإذا كانت الصراحة فى مواجهة بعض الأشخاص، وكشف حقائق سلوكياتهم الخفية المنفصمة تمامًا عن ادعاءاتهم الأخلاقية الظاهرة، إذا كانت هذا الصراحة تفقدنا الكثير من البشر، وتوصمنا بالقسوة أو الغباء الاجتماعى وفقدان فن التعامل، نضطر إلى التحايل فى مواجهتهم، وتزيين أسلوب النقد، وكأنى أقول لأحدهم «من فضلك.. أنت إنسان سيئ جدا»، رغم يقينى أن المواجهة الصريحة هى اقصر الطرق لتصويب أخطاء البشر، وتقليص خسائر الخلافات والمشاكل، ومع أن من الدين النصيحة، لكنى مدركة أن كثيرين يكرهون النصيحة، وأن تقول رأيك فيهم بصراحة، أو أن تكشف أخطاءهم بصدق، وتعرى زيفهم، كثيرون لا يقبلون أبدًا النقد، ويعتبرون انفسهم منزهين وشبه آلهة، لانهم يعيشون وهمًا مع انفسهم يصل إلى حد المرض بأنهم فوق البشر، مميزون، جاءوا من خارج هذا الزمان، والبشرية لا تستحق عبقريتهم، ويعمق من شعورهم بوهم عظمتهم هذا الزخم الذى يحتشد لهم على صفحات فيس بوك، أو كما اصر أن اطلق عليه «فيك بوك».
لماذا انجرفنا جميعا -إلا من رحم ربي- وراء هذه الأكاذيب التى نتشارك فى طرحها وترويجها عبر «فيك بوك»؟ لماذا تعاونا على صناعة النجوم الوهمية؟، لماذا تركنا هذا الغول يأكل الصدق فينا ويغتال براءة فطرتنا؟، لماذا كذبنا وصدقنا أكاذيبنا؟، لماذا تلونت وجوهنا بكل هذه الألوان الصارخة كالبهلوانات؟، لماذا صرنا ندق الطبول فى زفة تلك الصفحات المقيتة دون وعى أو تدقيق؟، وكأننا نسير وفقا لسياسة القطيع، للأسف اصبح للفيس بوك تأثيرًا خرافيا على مجتمعنا، وأصبح بوقًا كبيرًا لصناعة النجوم، فصفحاته صارت ملايين من المنابر الإعلامية الخاصة أو الشعبية، واصبح رواد الصفحات لا يفرقون بين ما هو غث وسمين من الرسائل المنشورة، سواء عبثية أو ترفيهية أو سياسية أو علمية وثقافية، أو مجرد معلومات اجتهادية، يتم تناقلها وتشييرها، لتنتشر عبر الصفحات كالنيران فى الهشيم، لتصل إلى ملايين بالداخل والخارج دون ضابط أو رابط، ومع استمرار التداول، تصبح المعلومة شبه حقيقية، ثم حقيقية، ثم امرا مسلما به.
ومن هنا يستغل أصحاب الصفحات ذلك، ليقدموا انفسهم للعالم الداخلى والخارجى بصور مغايرة تماما للواقع، كأن يضع احدهم مثلًا حرف «د» قبل اسمه، فيتم تداول ذلك والترويج له، ويصبح إذ فجأة بعد عدة أيام قلائل «الدكتور فلان»، وقس على هذا، وستجد رواد صفحته يثمنون كل ما يقوله الدكتور فلان، وسيتحول بعد ذلك إلى الدكتور الخبير، وسيتم الترويج أيضًا لذلك، وبعدها قليل سيروى هذه الدكتور المزيف قصصًا وحكايات، وسيدخل لصفحته من يؤيده، ويعضد ما سيقوله، بل سيدخل إلى الصفحة من يدعى انه شاركه تلك الأعمال والنجاحات، أو كان شاهدا عليها، وسيتحول هذا الإنسان العادى المسطح إلى نجم لا يأفل، وسيكون هو أول من يصدق أكاذيبه وأكاذيب أصدقائها فى الصفحة، و.. للحديث بقية