الإخوان الإرهابية ومسيرة التلون والتواطؤ (٥٨)
نستكمل حديثنا اليوم مع زعم الكثير من مناصرى جماعة الإخوان الارهابية أنه لا توجد روابط فكرية بين تنظيمهم والحركات الجهادية المتطرفة، مثل «القاعدة» وتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، وهو زعم لا تسنده حقائق الواقع، فعلى الرغم من أن الجماعة تتبنى منهجا للدعوة وسط الجماهير يختلف عن تلك الحركات، إلا أنها تتشارك معها فى العديد من الأفكار والوسائل المتبعة لتحقيق الأهداف، تمثل الدعوة لقيام الخلافة الإسلامية مرتكزا أساسيا من المرتكزات الفكرية للحركات الجهادية وللإخوان، وقد نادى بها المرشد المؤسس حسن البنا فى رسالة المؤتمر الخامس حين قال «الإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها فى رأس منهاجهم»، كما أنه وضعها فى المرحلة الخامسة من مراحل التمكين الست التى تسعى لها الجماعة والتى تبدأ بالفرد وتنتهى بأستاذية العالم، غير أن ارتباط الحركات الجهادية العنيفة، وداعش على وجه الخصوص، بفكر الإخوان المسلمين، لا يقتصر فقط على الدعوة لإقامة الخلافة، بل يمتد ليشمل المنطلقات الفكرية الأخرى ووسائل العمل ومناهج التغيير.
يقوم مشروع جماعة الإخوان الإرهابية على إحداث التغيير فى المجتمع عبر وسائل عديدة، يقف فى مقدمتها الوصول للسلطة ويقول قادتها إن الجماعة قامت أساسا من أجل تمكين الدين، وإن الاستيلاء على السلطة يعد وسيلة لتحقيق تلك الغاية، فالاستيلاء على السلطة بهذا المعنى يقود إلى الطعن فى مشروعية الحكومات القائمة، باعتبار أنها لا تعمل على تمكين الدين، وهو الأمر الذى يعطى المبرر لتكفيرها والخروج عليها بكافة الوسائل، ومنها الوسائل العنيفة، ومن هنا عزيزى القارئ فإنه يمكننا فهم مغزى شعار الجماعة الذى يزينه سيفان ومكتوب عليه «وأعدوا» وكذلك فإن البيعة للجماعة تتم على المصحف والمسدس، وقد ترجمت الجماعة فكرة التغيير العنيف عمليا بإنشاء التنظيم الخاص الذى نفذ عمليات عديدة، منها على سبيل المثال وليس الحصر اغتيال أحمد ماهر، والقاضى أحمد الخازندار، ومحمود فهمى النقراشى وغيرهم، ثم تطورت الفكرة فى مرحلة لاحقة على يد سيد قطب ولم تعد مقتصرة على الحكومات، بل شملت المجتمعات، حيث طور الأخير مفهوم الحاكمية الذى نادى به أبو الأعلى المودودى، كما ذكرنا فى حلقات سابقة، وأضاف إليه مفاهيم الجاهلية والعبودية والألوهية وغيرها، هذه المفاهيم شكلت الأرضية التى انطلقت منها جماعات التكفير والتغيير العنيف فى منتصف ستينيات القرن الماضى فى مصر، وهى الجماعات التى مثلت بدورها الحاضنة الأساسية التى خرجت منها تنظيمات «القاعدة» و«داعش» وغيرهما.
قد كان الفلسطينى عبدالله عزام المنتمى لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، هو الأب الروحى لأسامة بن لادن، وهو الرجل الذى وضع الإطار الفكرى لتنظيم «القاعدة»، مستلهما فكرة الطليعة المؤمنة التى تحدث عنها قطب، حيث نادى بإعدادها عبر ثماني مراحل حتى تصبح «القاعدة الصلبة» للتغيير بحسب تعبيره الذى اتخذ منه التنظيم اسما فى مرحلة لاحقة، لم تشترك جماعة الإخوان المسلمين مع «داعش» وأخواتها فى فكرة الخلافة والتغيير العنيف لأنظمة الحكم فحسب، بل شاركتهم كذلك فى إضفاء المشروعية على ما يُعرف بالعمليات الانتحارية والاستشهادية التى صارت الأداة الأكثر فتكا التى تستخدمها التنظيمات الجهادية ضد المسلمين وغيرهم، صحيح أن الإخوان المتأسلمين أفتوا بجواز استخدام هذه العمليات فى حالات معينة مثل الحالة الفلسطينية، كما قال بذلك الشيخ يوسف القرضاوى فى كتابه «فقه الجهاد»، ولكن من الجلى أن مجرد الإقرار بمبدأ استخدام التفجير والنسف والتصفية والقتل، يعنى أن هناك آخرين سيوظفونه وفقا لرؤاهم ومصالحهم وسيجدون من النصوص والفتاوى ما يسمح لهم بتبرير ذلك، وللحديث بقية.