حكاية وطن
«23 يوليو» لها وعليها!
إلغاء التعددية الحزبية خطأ كبير ارتكبته ثورة 23 يوليو، كان الهدف من وراء قيام مجلس قيادة الثورة بحل الأحزاب السياسية التى كانت قائمة قبل الثورة بحجة الصراع الذى نشأ بين بعضها البعض ومع القصر والمستعمر البريطانى هو إعادة تنظيم الحياة الحزبية لإقامة حياة ديمقراطية سليمة، ولكن انتهى الأمر بأن يسود الحزب الواحد الذى كلف مصر الكثير، وكان السبب فى وصول جماعة الإخوان للسلطة بعد ثورة 25 يناير بسبب تجفيف ينابيع الحياة السياسية وضعف الأحزاب الموجودة على الساحة وغياب تداول السلطة وتدهور الديمقراطية وانتشار الفساد وانهيار المكاسب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
بعد حل الأحزاب فى سبتمبر 1953، لحقه قرار حظر تكوين أحزاب جديدة انتهت مرحلة التعددية الحزبية، وبدأت مرحلة جديدة اتسمت بالاعتماد بصفة رئيسية على التنظيم السياسى الواحد، حيث تم تأسيس تنظيم هيئة التحرير فى يناير 1953، وتم إلغاؤه، وتأسس بعد ذلك تنظيم الاتحاد القومى عام 1956، ثم الاتحاد الاشتراكى العربى عام 1964، كتنظـيم سياسى شعبى جديد يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة بدلا من الاتحاد القومى، ثم جاءت بعد ذلك مرحلة التعددية الحزبية المقيدة من عام 1977، حتى 25 يناير 2011، وشكل دستور 1971، وقانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 بتعديلاته المتتالية الإطار الدستورى والقانونى لهذه المرحلة التى بدأت إرهاصاتها الأولى مع قرار الرئيس السادات فى مارس 1976، بقيام ثلاثة منابر حزبية فى إطار الاتحاد الاشتراكى، تمثل اليمين والوسط واليسار ثم تحويلها فى 22 نوفمبر من نفس العام إلى أحزاب سياسية كانت النواة الأولى للتعددية الحزبية المقيدة فى عام 1977، وكان أسوأ ما فى هذ الفترة قيام السادات برئاسة أحد الأحزاب وهو حزب الوسط ثم تطور بعد ذلك إلى الحزب الوطنى الذى استحوذ على مقاعد البرلمان وضعفت الأحزاب السياسية أمام نفوذه، انتهز الإخوان هذه المرحلة والحالة المتردية التى وصلت إليها البلاد خلال فترة حكم «مبارك»، التى ظهر فيها الفساد فى البر والبحر ونجح الإخوان فى الوصول إلى الجماهير بعد ثورة 25 يناير عن طريق استغلال الدين والمنح والعطايا واستطاعوا أن يقوموا بالحشد والاستقطاب إلى أن وصلوا للحكم.
أدى حكم الإخوان إلى غموض مستقبل الأحزاب والحياة السياسية فى البلاد، فبدأت القوى الحزبية تستشعر خطر وجود هذه الجماعة على رأس السلطة فتوحدت صفوف الأحزاب السياسية رغم اختلاف الأيديولوجيات للتخلص من حكم الإخوان، وكان توحيد الصف الحزبى له تأثير كبير فى تحقيق هدف الإطاحة بحكم الجماعة الإرهابية من السلطة حيث ساهمت الأحزاب فى كشف كذب وتضليل جماعة الإخوان، وفضحت نوايا الجماعة الخبيثة ضد المصريين وكانت الأحزاب السياسية رأس حربة الثورة فى حث المصريين على ضرورة المشاركة وبينت كيف أن جماعة الإخوان نكصت بجميع عهودها مع المصريين واجتمعت كل الأحزاب قبل ثورة 30 يونيو من أجل إعلاء مصلحة الوطن الذى كان ينظر له الإخوان على أنه حفنة من التراب، حيث وحدت الثورة كل القوى السياسية وانصهرت فى جبهة واحدة أطلق عيها جبهة «الإنقاذ الوطنى».
واقع الخريطة الحزبية المصرية اختلف تماما بعد أن تشكلت أحزاب خرجت من رحم ثورة 30 يونيو، وتواجه حاليا جميع الأحزاب السياسية بعد أن بلغ عددها أكثر من مائة حزب على الساحة.
بعد أن أتاح دستور 2014، إصدار الأحزاب بمجرد الإخطار، تواجه جميعها اختبارا سياسيا مهما بعد توجيه الرئيس السيسى بحوار وطنى يهدف لتحديد أولويات العمل خلال المرحلة الراهنة، هذا الاختبار يمكن أن تقاس عليه قدرة الأحزاب المصرية على المشاركة الفعلية فى صناعة القرار المصرى خارج الإطار التقليدى المتعلقة بالبرلمان، وهذا غير مساحة جديدة أتاحها الرئيس السيسى للحوار والنقاش بما يخدم مصلحة الوطن.
رغم تجريف الحياة السياسية لصالح الحزب الواحد بعد ثورة 23 يوليو إلا أن الجوانب الإيجابية للثورة كثيرة فقد أدخلت مصر إلى حافة الانتماء القومى، وانتصرت للمهمشين، وأدخلت فكرة العدالة الاجتماعية، وساهمت فى تحقيق تحول اجتماعى جذرى وبناء اقتصاد اشتراكى قوى، ومن أهم مكاسبها إنشاء السد العالى الذى ساعد على التحكم فى تدفق المياه والتخفيف من آثار فيضان النيل، كما شهدت مصر ثورة صناعية كبرى تمثلت فى تشييد العديد من المصانع الكبرى، وأكدت مصر انتماءها العربى وانفتحت على قارتها الأفريقية والعالم الإسلامى، وساندت حركات التحرر عبر القارات.