ضوء فى آخر النفق
طوفان الفتاوى
رغم أن الشيخ مبروك عطية قال وهو يطلق فتواه الشهيرة «اخرجى لهم قفة»، أن كلمته هذه هى خلاصة خبرته يقولها بكل أمانة، ثم ما لبث أن اعتزل الفتوى، وأعلن ذلك على الملأ، ثم عاد بعد أن هدأت العاصفة المجتمعية التى اندلعت ضده، إلا أننا نفاجأ كل يوم بطوفان من الفتاوى، قد يكون بعضه أو كله صحيحًا، ولكنه فى النهاية لم يحل لنا مشكلة ولم يتقدم بنا إلى الأمام!
منذ أن عاد الحجاب ليغزو مصر فى سبعينيات القرن الماضى، وصورة مصر الحديثة آخذة فى التغير..ليست هذه مصر التى خرجت نساؤها مع رجالها جهادًا ضد الاحتلال الإنجليزى. ليست هذه هى مصر التى قادت فيها هدى شعراوى جحافل النساء، وهن يتقدمن ثائرات مطالبات بـ «الاستقلال التام أو الموت الزؤام» أثناء ثورة ١٩١٩، وهنا قمن يخلعن الحجاب.. وواجهن بارود الإنجليز برؤوس مكشوفة وصدور متسعة للاستشهاد. الصور المبهجة الجميلة لنساء مصر فى الأربعينيات والخمسينيات والستينيات تملأ أرشيف الدنيا، وهن يرتدين الفساتين القصيرة. وتسريحات شعرهن البسيطة الأنيقة.. ويظهرن فى الشوارع والمدرجات الجامعية كالفراشات، لا تعرى ولا ابتذال ولا رخص ولا شيء، فقط جمال رائق صافٍ.. وإحساس بالإنسانية والمساواة فى الحقوق والواجبات، مع إدراك القاعدة القرآنية «وللرجال عليهن درجة». وكم من الصور التى نشرت لرئيس الدولة وسط الطالبات والعاملات والأستاذات والفنانات، وهن من دون غطاء للرأس، ورغم جمالهن الأخاذ فإنهن لم يكن مبتذلات من أى نوع.. حتى فلاحاتنا اللاتى كن يخرجن للحقول مع أزواجهن لم تكن منهن محجبة أو ذات خمار، بل كن يغصن فى الترعة حاسرات نصف ملابسهن فى الماء وهن يملأن «زلعة» المياه. لم تكن المرأة عورة فى تلك الأزمنة البعيدة، ولم تستورد مصر فى عنفوانها الفكرى والثقافى فكرًا وهابيًا أو تطرفًا أو مظهرًا غريبًا من أى بلد، حتى جاءت السبعينيات المقيتة، وجاء معها السواك والدشداشة القصيرة و«الشبشب» والخمار الأسود الذى يحقق دعوة الشيخ مبروك عطية.
الحجاب.. أصبح اليوم مثارًا لجدال عنيف بين الأزهريين وغيرهم من علماء الفقه، وبين الليبراليين واللادينيين، وفى نفس الوقت لم يقل لنا أحد من العلماء والمتفقهين فى الدين هل الحجاب يتسق مع الماكياج الصارخ وأحمر الشفاه والملابس «المحزقة»؟ هل شعر المرأة عورة لكن المواضع الأنثوية الأخير ليست كذلك؟ لماذا لا تقولون للناس؟
الثلاثاء الماضى (١٩-٧-٢٠٢٢) قرأت فتوى منسوبة لشيخ يدعى د. على الربيعى نصها: إن من أكبر الكبائر نزول المرأة فى البحر حتى لو كانت محجبة، لأن البحر ذكر وبدخول الماء إلى حشمتها تكون قد زنت ويقع عليها الحد». قد لا تكون تغريدة صحيحة فى ظل الاستغلال المتبادل للمناخ الحالى بين الإسلاميين وغيرهم، ووجب على الدكتور الربيعى أن ينفيها عنه وهو ما لم يحدث حتى الآن، أما الذى لا جدال فيه فهو أن الدكتور أحمد كريمة أطلق فتوى من العيار الثقيل تقول إنه لا يجوز نبش مومياوات الفراعنة وأن عرضها بالمتاحف حرام!
ألا تعرف يا دكتور أن لدينا من هذه المومياوات الكثير مما نعرضه فى متاحفنا ومتاحف العالم؟ وأنها جزء من حضارتنا العريقة وتقوم عليها صناعة سياحة تمثل جانباً عظيماً من دخلنا القومى؟