أعرابى فى المسجد
ساءنى الأسلوب الفج الذى تحدث به أحد المنتسبين إلى دعاة السوشيال ميديا -آفة العصر- فى تناول إشكالية الحجاب وتعليقه على خروج المرأة (بالقفة) على حد تعبيره لتجنب الاعتداء عليها، فانهالت عليه اللكمات والبلاغات من كل حدب وصوب.
وهنا تذكرت قول فضيلة العالم الورع الشيخ محمد الغزالى -رحمه الله- هناك من المسلمين من هم أشد خطرا على الإسلام من غير المسلمين، فالتصريح الذى صرح به الرجل يضر بالإسلام أكثر مما ينفعه، وأنا هنا لست بمقام تقييم وجهات نظر الفريقين وحظهما من الصحة والخطأ، بقدر ما وجدتنى بحاجة ملحة إلى معالجة (كيف يكون الداعى ؟).
ولا غرو أن المرجعية الأولى والقدوة الأعظم فى رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فحضرتنى واقعة ذلك الأعرابى الذى بال فى المسجد وكيف تصرف -صلى الله عليه وسلم- تجاهه.
كانت المدينة مقصدا للناس يختلفون إليها بالليل والنهار تتنوع حاجاتهم ومقاصدهم، وكان من بينهم أعرابى قد بلغته دعوة الإسلام، وهو فى البادية فطابت فطرته السليمة إلى الإسلام ودخل فى قلبه، وبينما هو فى شوارع المدينة أبصر مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدخل ليصلى ركعتين وكان على مقربة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ولما فرغ من صلاته دعا بدعاء غريب ومجحف و يغلق أبواب الرحمة قائلًا: «اللهم ارحمنى ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فاستنكر الصحابة وهم ينتظرون ردة فعله -صلى الله عليه وسلم- فقال وهو يعلم أن هذا الأعرابى أكسبته طبيعة البادية القسوة والشدة فقال له -صلى الله عليه وسلم-: «لقد حجرت واسعا» فقام الأعرابى يتهيأ للخروج وأحس برغبته فى قضاء حاجته وعلى سجيته التى جبل عليها شرع فى إراقة الماء فلم يتحمل الصحابة امتهان حرمات بيت الله -تعالى- فتواثبوا ليوسعوه ضربا، لكن إشارة صريحة منه -صلى الله عليه وسلم- أقعدتهم، وقال لهم: «دعوه وأريقوا على بوله ذنوبا (دلوا) من ماء أو سجلًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» فقال له -صلى الله عليه وسلم- وهو الذى امتدحه ربه فى قرآنه: « وإنك لعلى خلق عظيم ووسع صدره أوسع ما وسع من سفاهة المشركين وجهالتهم- ودواء الجهل لا يكون إلا بالعلم والتعليم: «ألست بمسلم؟ «فقال: «بلى» فقال له -صلى الله عليه وسلم-: «فما حملك على أن بلت فى المسجد» فقال له: «والذى بعثك بالحق ظننت إلا أنه صعيد من الصعدات فبلت فيه «فقال له -صلى الله عليه وسلم- معلما ومربيا بجواب ملؤه رحمة وشفقة: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، إنما هى لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن».
بأبى وأمى يا سيدى يا رسول الله وأنت القائل: «إن الله لم يبعثى معنتًا ولا منعثا ولكن بعثنى معلما میسرًا، هذه هى الدعوة قولًا وعملا ليضرب لنا المثل الأعلى فيها رؤية وتربية، ويعطينا دروسا بالغة العظمة تكمن فى المعرفة بأغوار النفس البشرية وطبائع الناس من مشاربهم ومساربهم.
وعن عائشة أم المؤمنين -رضى الله عنها- قالت: «كان النبى -صلى الله عليه وسلم- إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول.. ما بال أقوام يقولون كذا وكذا من باب التعميم ورفع الحرج عن المخطئ وسترا له ورفقا به فيتعلم المخطئ وغيره.
وهذا العقاد حينما قال فى عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم «اتفقت الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- أوتى فصاحة اللسان واللغة والقدرة على تأليف القلوب وجمع الثقة وعلى تنزيه نطقه من عيوب الحروف ومخارجها، وقدرته على إيقاعها فى أحسن مواقعها، فهو صاحب كلام سليم فى نطق سليم».
--
المحامى بالنقض