القطار والسائق
فى فيلم «لوعة الحب» من إخراج «صلاح أبو سيف» نجد أن «أحمد مظهر» يعمل سائقًا للقطار ومساعده «عمر الشريف» وزوجة السائق «شادية» تعيش مع زوجها فى منزل أنيق ونظيف وبسيط ولديها خادمة وتتعامل برقى وشياكة فى اللبس وتسريحة الشعر وتقع فى غرام مساعد العطاشجى أو سائق القطار لأنه مثقف يقضى وقته فى القراءة والاطلاع، ويتعامل برفق مع القطة التى تربيها هذه الزوجة، وذلك الفيلم الذى عرض فى 1960 من تأليف «جليل البنداري» يعبر عن الوضع الاجتماعى المصرى فى تلك الحقبة التى تلت ثورة 1952 وهو توثيق وتأريخ للحياة الاجتماعية المصرية فى تلك الفترة مثله مثل أفلام عديدة منها «أم العروسة» و«أنا حرة» و«الباب المفتوح» وهى أعمال صورت الطبقة المصرية الوسطى ليس كما صورها «نجيب محفوظ» فى أعماله قبل الثورة، ولكن قدمت السينما الحياة العادية للموظفين فى الدولة وأسرهم وأحلامهم وآمالهم وإخفاقاتهم، ونجد أن تلك الصورة تعكس رقى وبساطة واحترام حتى الفئات الفقيرة فقد كان الفن ليس مجرد مرآه للمجتمع يعكس ما يدور به ولكن الفن والأدب كانا يأخذان يد المتابع والمشاهد والمتلقى والقارئ إلى رحاب أكثر رقيًا وأكثر جمالًا وإنسانية حتى وإن غلبت الصعاب واشتدت المآسى والفواجع فما زال الفن عليه دور كبير لتهذيب السلوك والفكر الذائقة العامة.
وإن كان عصر الهيبز والتمرد قد ساد أمريكا وأوروبا فى الستينيات، وهذا الرفض لكل القواعد والنواميس الإجتماعية والفنية فإننا قد أصابنا ما أصابنا بعد نكسة 67 وبعد حرب الإستنزاف وبعد الهجرة إلى بلاد النفط ومحاولات محاكاة الخليج فى سلوكه ومظهره وحتى طريقة كلامه ومعيشته وبعد انتصار أكتوبر كانت آفة الانفتاح الذى صاحبه سطوة الفساد والإدارة وانفلت العيار وخاصة بعد ثورة يناير ووجدنا أنفسنا بين شقى الرحى فى فوضى وإرهاب وحرب من دول كبرى وصغرى تستهدف مصر العظيمة وشعبها وبين دولة جديدة وجمهورية جديدة تحاول بناء ما تم إفساده وتدميره على مدار عدة عقود من بنية تحتية ومواصلات وكهرباء وشبكات طرق وعشوائيات وتعليم وثقافة وبين ضرورة وحتمية استعادة بناء الوعى والشخصية المصرية التى بكل أسف تم مسخها وتشويهها عمدًا مع سبق الأصرار والترصد وبين خطاب دينى متحجر متمسك بالشكليات والمظهر دون الجوهر وبين عدة من المنتفعين والفاسدين الذين استغلوا إما حصانة وإما منصب وإما مكانة ليصل إلى أسفل الدرك من النار والتوحش ووصلوا إلى بعض النقابات بأموالهم وجوقة من المنتفعين.
ومازالت القضية الكبرى هى التعليم ثم التعليم ثم التعليم ويأتى بعدها الثقافة وليست رفاهية وليس الدراسات الإنسانية والأدبية فى مرتبة أدنى أو أقل وليس الإبداع والفن والسينما والأغنية والمسرحية واللوحة الجدارية والنحت والموسيقى والرقص هى أدوات ترفيهية للنعنشة والفرفشة والمهرجانات وأصل الجمهور مزاجه هكذا وأصل الفن محاكاة للواقع وأصل الشباب بيحب هذا أو ذاك وأصل النماذج البلطجية الموجودة فى حياتنا ومبررات كثيرة والعلاج واضح بعد أن شخصنا الداء.. العلاج يحتاج إرادة وهيئات جادة وخبيرة ليس لها مصلحة، هيئة قومية للتعليم وهيئة قومية للثقافة والفنون منفصلتان عن الوزارة تمامًا لهما مهام محددة.. وضع الرؤية والخطة وآليات التنفيذ التى تقوم بها الوزارات المعنية وأيضًا لتلك الهيئات سلطة المتابعة والرقابة وإعادة التقييم للخطة وآليات التنفيذ وعلى الوزارات تنفيذ جميع توصيات وخطط وتقييمات هذه الهيئات... إنها قضية وطن.