أوراق مسافرة
يا زهرة فى خيالى «1»
كان قد مر عامان والنصف على ذلك الزمن، وآثار الجروح العميقة على ظهره لم تندمل تماما أو تعالجها الأيام، كما لم تخف تشوهاتها كريمات التجميل، وكأنها تتمسك بالبقاء محفورة كدليل شاهد على ما كان بشاعة وفوضى واختلاط الألوان أو قل الحابل بالنابل، كان هذه المرة أيضًا يصر على النزول للميدان مع شقيقه وأصحابه ليقول لا، لا للإرهاب، لا لفرض الحكم بالحديد والنار والتوشح زورًا باسم الإسلام، حذرته بقلب أم ملهوف عاشت ليالى سوداء من الخوف وضياع الأمان، بأن هذه المرة اخطر، هذه المرة نواجه كشعب رهانا قاتلا على القتل وإحراق البلد أو يكون البديل حكم الشعب رغم انف الشعب، فمد ذراعه النحيلة خلفه وتحسس بأطراف أصابعه الندب وخطوط الجروح الباقية، وقال فى حسم الشباب: هذه المرة مختلفة.
حين غاب مع شقيقه والرفقة عن عينى، وانا ألوح لهم وأهتف بوصايا الحذر، رأيت صورته قبل العامين والنصف، وهو يرتدى جاكت فسفورى اللون مكتوبا عليه من الخلف بالخط العريض «ضد التحرش، وبيده شعله، حين كان البلطجية والمندسون وغيرهم من الطرف الثالث والرابع يعمدون إلى التكشير عن أنياب التحرش لإثارة الرعب بين الفتيات والنساء المزروعات فى قلب ميدان التحرير مع إخوانهم، وحناجرهم تهدر جميعًا بالغضب المكتوم منذ سنين» ارحل، ارحل»، كان الولد حين يرى البلطجية، يهرول إلى الفتيات لحمايتهن، ويرفع شعلة النيران لأعلى ويصرخ «تحرش، تحرش»، فيهرع إليه زملاء له فى جماعة ضد التحرش، وتقع الاشتباكات مع البلطجية، ويكون نصيب الولد وزملائه ضربات بمطاوٍ أو سكاكين أو سلاسل من حديد على ظهره وذراعيه وباقى جسده، لكن الله الحافظ، كان صلبًا صامدًا كأسد هصور، فكان يعود بين يوم وآخر للبيت ليستحم ويبدل ملابسه الممزقة الملونة بدماء جروحه، ولا يمهلنى فرصة لمداواته أو حتى تناول طعام ساخن يجعله يصمد فى زحام الميدان، بل كان يهرول عائدا للتحرير وهو يصرخ حانقًا غاضباً: اللى بيحصل ده مش ثورة!
كنت مع أبيهم وباقى عائلتى منذ نزول الجماهير للميدان فى 25 يناير 2011، نتبادل المواقع، جزء فى الميدان، وجزء بالبيت مع ابنتى الصغرى ضمن آخرين بالحى، نحمى البيوت والعروض من بلطجية آخرين، استغلوا الفوضى وارتباك الحالة الأمنية ليهجموا على الشقق والمحلات لنهبها وإثارة الرعب فى قلب الحى مثل كل الأحياء، كان الخطر يحاصرنا من كل جانب لمجاورة البيت لمقر المعونة الأمريكية فى بالمعادى، والتى بدت مستهدفة بصورة أو بأخرى من هجمات البلطجية، بجانب نزوح المساجين الذين هربوا من ليمان طرة.
ومر قرابة العامين والنصف على تلك الأحداث، التى تبدت لنا فى حينها أنها ثورة شعبية للتغيير، أو كما تمنينا جميعًا لها أن تكون كذلك، ولكن جنى عليها الإخوان فاذبلوها، وتحولت إلى ظلال باهتة، رغم محاولة الملايين من أبناء الشعب أن يستجمعوا منها أى ثمار تهدئ من يأسنا، وتسكن من جوعنا للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، لكنها كانت قد اختطفت، اختفت.
وفى 30 يونيو 2013، حين قالها ابنى وهو يتلمس بقايا جروحه على جسده «هذه المرة مختلفة» وهرول مع شقيقة ورفاقه إلى ميدان التحرير، كان بداخلى، بداخلنا جميعًا يقين مدفوع بالرجاء «هذه المرة مختلفة»، فلم أتردد أن تنزل صغيرتى معنا هذه المرة للميدان، حاملة بيدها الرقيقة علم مصر، علما حجمه كبير جداً، بدا وكأنه خيمة أمان تظلل على جسدها الصغير، فكانت كلما رأت سيارة جيش تمر بنا خلال الطريق، تلوح لهم بالعلم وتهتف من قلبها: تحيا مصر... وللحديث بقية