بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

جريمة خيانة وطنية

شوشتنى المصادفة. انتهيت قبل أيام من رواية ماتعة للروائى المرموق ناصرعراق، بعنوان: «الأنتكخانة»، تستعرض فى سلاسة وسحر جانبا من تاريخ نهب الآثار المصرية فى القرن التاسع عشر. ولم تمر ساعات على دفقة الخيال التوثيقية، حتى قرأت فى وسائل الإعلام خبرا عن اتهام القضاء الفرنسى لجان لوك مارتينيه مدير متحف اللوفر، فى الفترة من 2013 إلى 2021 بتهريب خمس قطع آثار مصرية إبان أحداث الربيع العربى. بدا الرأى العام الفرنسى مستفزا بتورط رجل علم فرنسى عاش عمره مسئولا عن مكافحة الاتجار بالآثار فى جريمة يعتبرها المجتمع المتحضرـ مخلة بالشرف والأمانة، لقد استغل شخص ما فى بلد من بلاد العالم الثالث وهى مصر، سوء الأوضاع وغياب الأمن، وانشغال الناس بمَن يحكم ومَن يقود، وقام بتهريب خمس قطع آثار فرعونية إلى إحدى بلاد الخليج، ثم قام المتهم الفرنسى بتزوير شهادات مصدر الآثار.

وكأن التاريخ حبل ممتد لا ينقطع، فرواية ناصر عراق تستند إلى وقائع حقيقية عن تورط علماء الآثار الأجانب مثل هينريش الألمانى ومارييت الفرنسى، فى تهريب كثير من القطع المصرية إلى أوروبا، فى زمن الخديو إسماعيل. ورغم مرور قرن والنصف، ورغم تشديد القوانين، وتطور النظم، ونمو الوعى الأثرى والحضارى، فإن السرقة مستمرة ومتواصلة وممتدة إلى الألفية الثالثة، ليس أدل على ذلك من أن رجل أعمال كبيرا كان ملء السمع والبصر والنفوذ سقط أخيرا، ليؤكد أن الأمر شائع وأن هناك ثروات عديدة صُنعت من بيع تاريخ وتراث مصر للأجانب.

إننا لم نعرف شيئا عن جريمة مدير متحف اللوفر إلا من خلال وسائل الإعلام الفرنسية، وهو ما يعنى قصورا فى الجهات المسئولة عن مكافحة الاتجار بالآثار فى مصر. والواضح والمؤكد أن القطع المذكورة خرجت أضعافها، لصالح أصحاب ثروات ونفوذ، فى غفلة وتساهل ولامبالاة معتادة فى بلادنا.

أتسمع نمائم قد تحمل مبالغات عن كبار يُقلِّبون الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، بحثا عن كنوز السالفين، وعن شبكات حماية ودعم ومساعدة ومساندة مهمتها تعبيد طريق الخروج.

والموجع والمؤسف أن الخطاب الدينى يشرعن ويُبرر سرقة الآثار، فعلى الرغم من فتوى دار الإفتاء بتحريم التنقيب عن الآثار، إلا أن فتاوى السلفيين والأكثر شيوعا وهيمنة على الناس فى بلادنا، تعتبر الآثار كنوزا مباحة. وأتذكر أننى سألت صديقا سلفيا عن حكم الشرع فى التنقيب عن الآثار، فقال لى بجدية: إن كنوز الأرض حلال إن دُفع عنها الزكاة المقررة، وُعدت إلى فتاوى السلفيين على معظم المواقع الإلكترونية لأجد شبه إجماع على أنه «لا حرج على المسلم فى البحث والتنقيب عن أموال الكفار الذين كانوا قبل الإسلام أو أمتعتهم، فى أرض مملوكة له أو ليست مملوكة لأحد، ومن عثر على شيء من ذلك فيجب عليه أن يخرج خُمسَه، ويصرفه فى مصارف الزكاة، وما بقى بعد إخراج الخمس، فهو ملك له يتصرف فيه بما أحب من البيع أو التجارة أو القنية، ولا عبرة بقانون يمنع من ذلك..»

والكلام لا يوقف النهب، ولا ردود رجال الدين الرسميين، ولا حل سوى القانون وسيادته، لذا فإننى أرى أننا فى حاجة لتعديلات تشريعية تعتبر جريمة التنقيب والاتجار فى الآثار جريمة خيانة وطنية، لا تستحق السجن سبع سنوات وإنما تستحق السجن مدى الحياة.

والله أعلم

[email protected]