الأمن الغذائى و«فساد القمح»
فى بداية صيف 2016 كنت أتحدث مع مجموعة من أعضاء البرلمان باللجنة الاقتصادية، عن قضية شغلت الرأى العام وقتها، وعرفت اعلاميا بقضية «فساد القمح»، وتطرق الحديث إلى أمور عدة، منها أن هناك أيادى خفية تعبث فى ملف القمح، حيث إن مصر لديها الامكانيات القادرة على تحقيق اكتفاء ذاتى من هذه السلعة الاستراتيجية التى تندرج ضمن مفهوم الأمن الغذائى الذى هو بمثابة أمن قومى.
وقلت.. إننى كل مرة أسافر فيها بلدى الوادى الجديد أمر على شون القمح المكشوفة، وأنظر إليها بأسى وحسرة، حيث تظل الأقماح مخزنة فى أجولة طول العام بعد استلامها من المزارعين، ويأكلها الطير، بينما نستورد ما يقرب من 45% من احتياجاتنا من القمح بالعملة الصعبة حتى تتربح مافيا الاستيراد.
وكان هذا الحديث على هامش تشكيل لجنة تقصى حقائق من قبل مجلس النواب برئاسة النائب مجدى ملك عضو مجلس النواب بمحافظة المنيا، فى قضية «فساد القمح»، فى التاسع والعشرين من يونيو 2016، بناء على طلب من أعضاء المجلس بعد وابل من الاستجوابات المقدمة ضد وزيرى الزراعة والتموين، بشأن وجود مزاعم بفساد خلال عمليات تشوين القمح من الفلاحين،
حيث كشفت تحقيقات موسعة أجرتها النيابة العامة مخالفات خطيرة فى عمليات توريد القمح للصوامع والشون الخاصة بتخزينها على مستوى الجمهورية، تلخصت فى نوعين من المخالفات يتم من خلالهما التلاعب، أولاهما هو استبدال الأقماح المحلية بأخرى مستوردة أقل سعرا وجودة للحصول على فارق السعر بينهما، والثانى إثبات توريد أقماح من مزارعين أصحاب حيازات بأراضٍ زراعية لأقماح محلية بالإدارات الزراعية، فى حين أن أصحاب تلك الأراضى أقروا بعدم توريدهم أقماحا وعدم زراعة حيازاتهم بالقمح، وأن محاصيلهم التى زرعوها هى الفواكه والموالح.
ونسبت النيابة للمتهمين المتورطين فى ارتكاب تلك المخالفات اتهامات تتعلق بالتزوير والتربح والاستيلاء على المال العام.
وأفادت التحقيقات، أن من بين المتهمين أصحاب شون وصوامع تخزين القمح وأعضاء باللجان المشكلة لاستلام الأقماح قبل تخزينها بالصوامع، وأعضاء بلجان الجودة والفحص، وأمر النائب العام بالتحفظ على أموال جميع المتهمين المنسوب لهم ارتكاب تلك المخالفات وأولادهم القصر وزوجاتهم، ووقف صرف مستحقات أصحاب الصوامع المتورطين فى ارتكاب تلك المخالفات.
أردت الإشارة إلى هذا الأمر قبل الحديث عما يدور حاليا بخصوص كيفية تحقيق الاكتفاء الذاتى من هذه السلعة، فى ظل المتغيرات العالمية، وما يعترى المصادر الخارجية من مخاطر التقلبات الاقتصادية والسياسية والتحذيرات من أزمات غذائية عالمية، تعنى مصر بقوة لكونها من أكبر مستوردى القمح فى العالم، حيث تزداد محاولات توفير بدائل للقمح الروسى والأوكرانى بسبب الحرب فى أوكرانيا.
والسؤال البسيط جدا: هل لا تملك مصر الامكانيات من أراضٍ ومياه لتحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح على الأقل؟.. الإجابة قولا واحدا.. نعم تملك.. والسؤال الثانى: إذا لماذا لم تتحرك منذ عقود لتحقيق هذا الهدف؟.. الإجابة.. الفساد فى العقود الماضية والذى اثبتته تحقيقات النيابة العامة عام 2016.
نعم تحركت الحكومة فى الفترة الأخيرة وبقوة تحت وطأة الاضطرار، وبدعم من أعلى سلطات الدولة لتحقيق الهدف، عبر التوسع فى زراعات القمح وتبنى مزيد من خطط زيادة الإنتاج المحلى خلال السنوات القليلة الماضية إلى مستويات زادت على 9 ملايين طن.. ويبقى القول إن كل ما يمكن أن تقوم به الدولة من مساعٍ محمودة لتحقيق هذا الهدف المنشود، رهين شرط أساسى هو محاربة الفساد بكافة أشكاله وفى مختلف مستوياته.