الصلح ليس خيرًا.. أحياناً!
تنتابنى هذه الأيام حالة من الغضب الشديد, وأزعم أن ملايين المصريين يشاركوننى فيها، عندما تابعنا خلال الأيام الماضية حالتين من الصلح تم الإعلان عنهما. المفروض أن الصلح خير, هذا من أهم تعاليم ديننا الحنيف, الصلح والتسامح قيمة سامية لا أحد منا يجادل فى ذلك, لكن الصلح ليس خيرا أحياناً, وفى تلك الواقعتين بالذات لا تستطيع أن تعتبره ذلك النوع من الصلح الذى دعانا له القرآن الكريم، ولا تلك النوعية من التسامح التى لو سادت أى مجتمع يضمن له مكانا بين المجتمعات الراقية إنسانيا. فكل التفاصيل المعلنة تشى بأن الموضوع فيه «إن» بل «إن» وأخواتها وعماتها وخالاتها.
الصلح الذى أتحدث عنه حدث فى واقعتين شهيرتين تابعهما كل الناس مؤخرا, الأولى بطلها شاب أرعن سكير هو ابن لرجل أعمال معروف, عندما دهس وهو يقود سيارته بسرعة شديدة أربعة من الشباب ماتوا كلهم فى الحال. تبين أن الشاب لم يكن فى وعيه بسبب الحالة التى كان عليها، حيث كان واقعا تحت تأثير مخدر الكوكايين، إضافة إلى سكره البيّن، ثم حدثت بسبب نفوذ بابا عدة محاولات للتلاعب فى الكاميرات التى صورت الحادثة وكل ما يخص القضية، غير أن النيابة العامة تمكنت فى النهاية من إدانة الشاب وإحالته لمحكمة الجنايات. الجريمة الحقيقية التى ارتكبها الشاب وأهله هنا ليس فى القتل الخطأ، ولكن القضية هنا أخلاقية بالدرجة الأولى تتمثل فى محاولة الهرب وطمس معالم الجريمة. عقوبة القتل الخطأ فى القانون لا تزيد على 7 سنوات سجنا, ثم فوجئ الجميع الأسبوع الماضى بإعلان صلح وتنازل اسر الضحايا عن القضية والصلح فيها أمام المحكمة.
الواقعة الثانية هى واقعة تعدى أحد أصحاب النفوذ بنفسه هذه المرة على فرد أمن فى أحد الكومباوندات السكنية بالمعادى، وشاهدنا كلنا كمية الصفعات التى وجهها لفرد الأمن، حيث رصدت كاميرات المراقبة تلك الواقعة المؤسفة وشعرنا كلنا بالتعاطف الشديد مع فرد الأمن، خاصة أنه لم يجرؤ حتى للدفاع عن نفسه، ثم سادت حالة عارمة من الفرحة عندما عرفنا أنه تم ضبط الجانى وإحالته للنيابة محبوسا, لكنها فرحة لم تكتمل أخذها صاحب النفوذ وطار, حيث تم منذ أيام الإعلان عن تصالح فرد الأمن مع ذلك الرجل الذى صفعه فى ذلك الفيديو الشهير. لا يوجد مصرى شريف لم يشعر أن الإهانة التى تعرض لها ذلك الشاب الغلبان أصابته هو أيضاً شخصيا،
وكأنها موجهة له وليس فقط لوجه الشاب. لا يوجد مصرى شريف لم يعتصره الألم وأصابع هذا المجرم تهوى بالقلم على وجه الشاب تكيل له الصفعات واللكمات.
لا يحتاج أى منا إلى كثير من الذكاء ليعلم كم الضغوط والمغريات التى تعرض لها الجناة فى الحالتين، سواء بالترغيب أو بالترهيب من أصحاب النفوذ فى الحالتين أيضاً, لكننا كمواطنين فى نفس المجتمع أصبحنا طرفا أساسيا فى مثل تلك القضايا التى لا تسقط من وجهة نظرى بالتصالح لينجو الجناة بأفعالهم، لمجرد أنهم من أصحاب النفوذ والمال, خاصة أن القانون اشترط لقبول التصالح عدم توافر ظروف مشددة للعقوبة، مثل التسبب فى قتل عدد كبير تحت تأثير الخمر والمخدرات, أو مثل ارتباط الواقعة بإهانة علنية كانت على مرمى ومسمع عدد كبير من الناس. ربما يكون من حق المجنى عليهم التنازل، فهم أدرى بظروفهم وأقدر الناس على معرفة إمكانية صمودهم أمام أصحاب النفوذ من عدمه، لكن يبقى حق المجتمع كله فى توقيع عقوبة مناسبة على المتهمين، تتناسب مع فداحة ما ارتكبوه من جرائم هزت مشاعرنا جميعا وجعلتنا طرفا أساسيا فى تلك القضايا.
والد ذلك المستهتر لم يكلف نفسه حتى إصدار بيان يعتذر فيه للمجتمع عن جريمة ابنه, وكذلك لم يفعل صاحب النفوذ الذى صفعنا كلنا على وجوهنا ولم يصفع فقط فرد أمن كان يحاول تأدية دوره على أكمل وجه, ولهذا الأب ورجاله ولصاحب النفوذ ولمن هم على شاكلتهم من أصحاب المال والنفوذ، اقول إن المجتمع لن يسامحكم وسيظل يعتبركم جناة معتدين، أما تصالحكم مع الضحايا فهو مجرد ورق للهرب من العقوبة البدنية انصحكم «بلوه واشربوا ميته»!