حكاوي
صحافة عبدالناصر
تحدثت أمس عن الصحافة البناءة وفى اطار هذا الحديث لا يمكن إغفال الكلام عن الصحافة والسياسة. ويعتبر عصر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر من أكثر العهود تقييدا لحرية الصحافة فى مصر، فقد أغلق فى عهده عدد كبير من صحف القصر الملكى وتم الحكم على أصحابها بتأميم ممتلكاتهم مثل صحف الوفد والمصرى والبلاغ والمقدم وكوكب الشرق، إضافة الى صحف أخرى بحجة انتمائها لأحزاب غير موجودة بعد ثورة 23 يوليو وأصبح فى مصر ثلاث صحف يومية فقط وهى الأهرام والأخبار والجمهورية مع وجود رقيب معين من مجلس قيادة الثورة داخل كل صحيفة.
وكانت النزاعات اليومية مع الرقباء قد أدت الى تأميم الصحف ومنع صدور أى صحيفة إلا بترخيص من الاتحاد القومى بمقتضى القانون رقم 156 فى 24 مايو 1960.
ولهذا القانون أهمية خاصة فى تاريخ العلاقة بين الصحافة والسلطة السياسية فى مصر آنذاك، فقد صدر بعد ثمانى سنوات من الثورة ونجاح الثوار فى الوصول الى الحكم ليمثل خطاً فاصلاً بين مرحلتين فى مسيرة الصحافة المصرية فى تلك الفترة. وتبدأ المرحلة الأولى فى عام 1952 وتنتهى بحلول عام 1960، وفيها قنعت السلطة السياسية بموقع المراقب للنشاط الصحفى والمتابع الناقد للممارسة الصحفية فى المؤسسات الصحفية.. أما المرحلة الثانية فتبدأ من عام 1960 وفيها قنعت السلطة السياسية بدور آخر بعيداً عن المراقب لتصبح طرفا فاعلا تتوافر له مشروعية المنع والتدخل لتنظيم الصحافة المصرية. وهو ما تحدثت عنه فى استفاضة كبيرة فى كتابى الصادر عام 2018 والمعنون بـ «اتجاهات النقد فى الصحافة الأدبية المصرية خلال الفترة من 1952 الى 1967».
وفى ظل هذا القانون تخلت السلطة عن موقع المراقب أو المتابع الناقد لتصبح طرفاً فاعلاً وأساسيا وتم صياغة العلاقة بين الصحافة والسلطة على أساس التغيير الجذرى لنمط ملكية الصحف المصرية وتقنين ملكية الشعب لوسائل الإعلام والتوجيه الثقافى والاجتماعى والسياسى ونقل ملكيات وسائل الاعلام إلى الاتحاد القومى أو الاتحاد الاشتراكى أياً كانت التسمية فيما بعد عام 1963.
ويقول المرحوم الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فى هذا الشأن فثمة إقرار بأن الصحافة لسان من ألسنة الرأى العام القوية وأداة من أدواته تعمل فى خدمته فتنقل اليه الأخبار والأفكار وتنقل عنه صداها وتفاعلها معها أما المرحوم الكاتب الكبير يوسف السباعى فيرى أن الصحافة أداة خطيرة تعمل عملاً خطيرا باعتبارها احدى وسائل التربية والتعليم والثقافة وتسهم فى البناء المعنوى للشعب.. وهناك فصيل آخر يرى أن تصرفات الرئيس عبدالناصر استبداد يبسط ظله على حرية الصحافة. اما الراحل الكبير أنيس منصور فيقول ان الصحافة فى عهد فاروق كانت تتمتع بحرية كبيرة، وفى عهد عبدالناصر انقلب الوضع وكان مقص الرقابة هو الآمر الناهي».
«وللحديث بقية»