بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

ما يُخلده التاريخ

للأديب التشيكى الفذ ميلان كونديرا نظرية فلسفية بثّها فى روايته المبهرة «الخلود» مفادها أن خلود الإنسان فى التاريخ ليس من صنعه، وإن حاول وسعى. وإذا كان البعض يُمكنه أن يجعل قرار موته ذاتيا بمنطق «بيدى لا بيد عمرو»، فإنه إرادة الخلود تبقى دائما خارج أيدى البشر.

خُذوا مثلا على ذلك الفرعون المصرى الأشهر توت عنخ آمون، فلو استخدمنا محرك البحث العبقرى «جوجل» وكتبنا اسمه باللغة الإنجليزية لحصلنا على أكثر من ثمانية ملايين نتيجة، ولوجدنا باللغة العربية نحو مليونى نتيجة. وفى حقيقة الأمر فإن الرجل لم يحُز أى مجد خلال حياته القصيرة، فلا هو مثل الملك أحمس الذى أنهى احتلال الهكسوس لمصر، ولا هو رمسيس الثانى الذى حكم ما يقرب من سبعين عاما، ولا يمكن مقارنته بتحتمس الثالث الذى انتصر على الأعداء خارج بلاده. لقد كان ذكر "توت" فى التاريخ باهتا، وكان عمله غير فعال، بل إن زمنه كان زمن اضطرابات وفوضى، ولم يحكم طويلا، ولم يعش عمرا مديدا، إذ تولى وهو فى سن العاشرة، ومات وهو فى التاسعة عشرة، لكنها إرادة الله التى شاءت أن يرتبط حادث اكتشاف مقبرته بحكايات مثيرة عن لعنة الفراعنة ليعرفه العالم كله ويُخلد.

ولاشك أن تخليد اسم الإنسان هدف رائع ومشروع لأى شخص فى الكون: عالم، مبدع، حاكم، أو مسئول، لكن فى النهاية فإن لعبة الخلود تخضع لقوانين أخرى خلاف إرادة الساعى، ويبقى المعيار الأمثل والأنبل هو الأداء العظيم المُنزه من أى غرض. فليس الخلود هو الغرض من رحلتنا العابرة على الأرض، وإنما الربح الحقيقى يبقى فى بصماتنا الدامغة لنفع الناس وإسعادهم.

ويُعلمنا التاريخ بعض عظاته،عندما يشير إلى أن السلطان المملوكى الناصر حسن الذى حكم مصر لست سنوات فى القرن الرابع عشر طلب الخلود فقرر أن يبنى أعظم مسجد فى العالم كله ليحمل اسمه. وهكذا وجه السلطان كل موارد البلاد لاستحضار أعظم البنائين والفنانين والمواد الخام فى وقت كان يُعانى فيه الناس من وباء شديد وفقر مدقع، وفرغت خزانة مصر ولم يفرغ العمل فى المسجد حتى قال الرجل نفسه « لولا أن يقال بأن سلطان مصر عجز عن إتمام بناء لأوقفت بناء هذا المسجد من كثرة ما أنفق عليه». وأقدم السلطان حسن على عمل لم يقم به السابقون ولم يكرره اللاحقون وهو الاتفاق مع مهندسى المسجد أن يضعوا ضريح قبره وراء محراب المسجد مباشرة، اعتقادا منه أن صلاة الناس كل يوم تصب الرحمات على روحه. واكتمل العمل تماما ليرى السلطان ثمرة مشروعه، لكن البلاد خربت، وساد الاضطراب، وثار المماليك على السلطان نفسه، فهرب واختبىء وعمّت الفوضى، وانتهى الأمر بمقتل الرجل بليل، ولم يعرف أحد مكانا لجثمانه، فلم يُدفن فى الضريح الموجود وراء المحراب.

صحيح أن اسم الرجل موجود إلى اليوم على المسجد الذى بقى لنا كأعظم أثر إسلامى فى العالم، لكن مَن يذكر فعلا نافعا أو حكما رشيدا للرجل. لقد بنى الخديوى إسماعيل نصف المبانى الفخيمة شديدة الروعة فى طول البلاد وعرضها، لكنه فتح بابا أوليا لفقدان سيادة مصر. وعندما ذاقت البلاد ويلات الاحتلال البريطانى دفع الناس كل الناس الثمن غاليا. وهذا درس لا ينبغى تجاهله.

والله أعلم.

[email protected]