بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

إنهم قوم يتطهرون « 2»

حين قال الإمام الشافعى بكل علم العارف بأمور العباد فى حينه، وبكل مرارة الواقعية التى كانت: «نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا، وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا، وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ، وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا، وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ، وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضًا عَيانا» حين قال تلك الأبيات قبل اكثر من ألف ومائة عام تقريبًا، لم يكن يدرى أن عصره ليس الأسوأ، بل هو عصر ذهبى بكل المقاييس دينًا وعلمًا وخلقًا، مقارنة بما سرنا إليه رويدا أو طفرة، وما صرنا عليه سرًا أو علانية، رغم كوننا من المجتمعات الأكثر تدينا فى الظاهر.

لا أريد أن أكون محبطة، ولكن واقعية، وحين تناولت فى مقالى الأربعاء الماضى نماذج من رجال أو شباب دفعوا حياتهم ثمنا لنخوتهم وشهامتهم، حين تصدوا لمتحرشين ببنات الناس ومتطاولين على الأعراض، فكان جزاؤهم طعنات قاتلة أو رصاصة فى الرأس من المتحرشين، طالبت بأن يتم تشديد العقوبات ضد مرتكبى هذه الجرائم الوحشية قتلة أصحاب النخوة والرجولة، وأن يكون الإعدام هو الحكم العادل والسريع على هؤلاء، كعبرة وعظة لمن تسول لهم انفسهم التعدى على الأعراض بالكلام أو اليد، وقتل الأنفس الطاهرة من أصحاب النخوة المدافعين عن الشرف، والذين تراق دماؤهم وتزهق أرواحهم لأنهم قوم يتطهرون خشية الله.

وجرائم قتل أصحاب النخوة والشهامة، جزء من كل ما صرنا إليه فى هذا المنحدر الأخلاقى المريع، رغم أننا فى مجتمع متدين « بالوراثة»، ومصطلح مجتمع متدين نفتخر به ونردده دومًا، نتشدق به محليًا وعالميًا، ونفخر به بين الأمم اللا دينية، تلك التى لا يعرف إلا قلة منها طريق المساجد والكنائس وأداء الصلوات وباقى الطقوس الدينية، أما نحن فتكتظ بنا دور العبادة المتنوعة، ويرتفع صوت الشعائر فى مكبرات الصوت، ولكن هل نطبق تعاليم الأديان السماوية بالفعل على أرض الواقع فى تعاملاتنا وأخلاقياتنا، أم نتخذها هزوا فى سلوكياتنا، ولغوا فى مجالسنا واستعراضًا وتباهيًا على صفحات السوشيال ميديا؟

هل يخاف أكثرنا أكل الحرام، أم نتخفى من الناس خشية الفضيحة والقانون، ولا نخشى من الله أو نخافه فيما يدخل بيوتنا من مال، وننسى أنه يرانا، وسيحاسبنا عن القليل قبل الكثير مما كسبنا، ونتعامل بضمير الخائف من الفضح لا الواعى بوجود الله، من يتهرب من عمله ويتمارض ويتحايل على الفرار من مسئولياته، تحت زعم «على قدر فلوسهم» ويعتقد أنه فهلوى، وينتظر أول الشهر ليقبض راتبه كاملًا، ماله حرام، حرام، ولو اعتقد أنه منتصر على مؤسسة عمله، وأنه أذكى من زملائه الذين يعملون بجد وضمير، فهو غبي، لأنه لو نظر إلى انعدام البركة فى ماله، ونفقاته على الأمراض والأدوية وعلى أولاده الفاشلين فى الدراسة، وعلى الخسائر التى تحاصره فى حياته، لأدرك أن المال الحرام يذهب إلى الخسارة، ولن يستمتع به أو ينعم براحة البال معه، بجانب حسابه الذى ينتظره أمام الله.

وللأسف هؤلاء الذين «يبلطجون» فى العمل، ويتخذون من البلطجة والصوت العالى وسيلة لأخذ ما ليس من حقهم سواء الراتب كاملًا، أو أى مستحقات أخرى، اعتمادا على سياسة « قلة الأدب» والصوت العالى بدون حق لإرهاب من فى المؤسسة، أو الاعتماد على علاقات ما أو قرابة ما بمسئول هنا أو هناك، للأسف هؤلاء هم الفائزون، ولكن فائزو دنيا بالطبع وليس آخرة، حيث يتم ترقيتهم، والدفع بهم فى المناصب القيادية خوفًا منهم أو خوفًا ممن يساندونهم، وهكذا، ستجد القلة العاملة بضمير هى المقهورة المظلومة، والتى تطبق عليها العقوبات بدقة بالخصم وخلافه لو تأخروا عن موعد الحضور ولو خمس دقائق، هكذا تدار أغلب المؤسسات، وللأسف القلة المتطهرة من أصحاب الضمير، تراهم مجرد بقعة ضوء صغيرة وسط ظلام دامس وظلم قاتل، الأمر الذى يصيبهم أنفسهم بالإحباط، بل قد يفقدهم الثقة فى كل معايير العدالة... وللحديث بقية.

[email protected]