على فكرة
عن الإعلانات وصوت المسلسلات
ما كاد أحد شباب العائلة ينهى جملته، حتى انطلقت البقية الباقية من أفرادها فى ترديد الجملة وتأكيدها : فعلا، عايزين مترجم عشان نفهم حوار المسلسلات هذا العام.أما السبب الذى أجمع عليه كل أفراد العائلة،فهو أن عيبا فنيا واضحا فى الصوت قد لحق بمعظم مسلسلات دراما رمضان هذا العام. وسواء كانت الجمل الحوارية فى المسلسل تهمس أو كان قائلوها يصرخون اويتحدثون بهدوء، فقد أدى ضعف الصوت وقلة وضوح مخارج الألفاظ إلى إخفاء معالم الكلمات، وشوش على معانيها. وكان من الطبيعى والحال هكذا،أن تضعف قدرة المشاهدين على متابعة سير أحداث المسلسل دون عناء، وأن يحال بينهم وبين فهم بعض الجمل الحوارية، لأن كثيرًا من الكلمات مدغمة تدخل الحرف فى الحرف، فتحدث لبسا فى المعنى،وتعجز عن تحديد مبررات تصاعد أحداثه فى كثير من الأحيان. وتلك مشكلة ليست هينة، وعلى المعنيين فى ماسبيرو والشركة المتحدة البحث عن اسبابها وتداركها.
يجمع خبراء الإعلام،على ان هناك فرقا فى كل بلاد الدنيا من شرقها إلى غربها، بين القنوات التليفزيونية التجارية الخاصة، والقنوات العامة المملوكة للدولة،فالأخيرة تخلو من الإعلانات،لأنها معنية بأهداف الرسالة التى ترنو إلى توجيهها وبالتثقيف والتوجيه والتعليم والترفيه الذى يخدم كل ذلك. أما القنوات التجارية فهى معنية بالتسويق، وبث الإعلانات المختلفة للترويج للسلع والخدمات وحتى تسويق الأفكار وبث الدعاية للمرشحين فى الانتخابات.
وتمول تلك القنوات من قبل الشركات والمؤسسات المعلنة.فإذا كان هدف الإعلان هو الوصول إلى المستهلك المنشود، و إحداث التأثير فى توجهاته الاستهلاكية، فإن السؤال الذى لا أجد إجابة عنه،: لمن تتوجه إعلانات الثراء الفاحش والحياة المرفهة فى دراما رمضان؟
نحن فى علم الاقتصاد والسياسة نعد من الدول النامية،التى يسعى برنامجها الوطنى للتنمية المستدامة 2030إلى خفض معدلات الفقر فى مصر التى تصل إلى نحو30%من عدد السكان، هذا فضلا عن أن معظم سكان البلاد من ذوى الدخل الثابت والمحدود والمتوسط.فلمن يا ترى تتوجه إعلانات الإسكان اوالمنتجعات الفاخرة فى السباق الدرامى الرمضانى، إذا كان العميل المنشود يشاهد تلك المسلسلات على المنصات الخاصة المدفوعة الأجر؟ وهل يظن مهندسو بث تلك الإعلانات بكثافة تثير الضجر، وباستخدام القنوات العامة المملوكة للدولة،ان الجمهور غير المستهدف بها، يهتم بمتابعتها ؟ إن معظم من يتابعون دراما رمضان على القنوات العامة، يغلقون الصوت حتى يمر الإعلان، بما ينطوى عليه ذلك من التشويش على الرسائل الهامة التى تحملها بعض المسلسلات التى تستهدف الكشف عن جهود جبارة فى أوقات عصيبة، للتصدى لمحاولات هدم الدولة وتحطيم مؤسساتها، مثلما يروى مسلسلا «الاختيار 3» و «العائدون «.
هناك مؤسسات بحثية تهتم بقياس نتائج بث الإعلانات، ومدى تأثيرها على المشاهدين.وليس هناك شك أن بحثا ميدانيا عاجلا لهذه الهجمة الإعلانية الشرسة،سوف ينتهى إلى أنها غير مسئولة، وأن نتائجها كارثية. لأنها ببساطة تشيع مناخا من الاحباط يخفض من حالة الرضا العام،ويرفع من حالات التذمر ويهيئ الأجواء لنشر الشائعات،و لخلط الحابل بالنابل. فهى تكشف عن فروق شاسعة بين « الناس اللى فوق» و» الناس اللى تحت «بما يحطم فى معنويات المصريين، ويخرجهم من معادلات الصبر والتحمل للمشاركة فى تنفيذ خطط الدولة غير المسبوقة للتنمية وإعادة البناء.وتلك نتيجة خطرة لا يجب أن يغفل عنها من بيدهم الأمر.وحلها مهما كانت تكلفته،هو مهمة وطنية، تتطلب تحرير محطات الدولة التليفزيونية من سطوة شركات الإعلان، والفصل بينها وبين المحطات التليفزيونية التجارية الخاصة،إذا كنا جادين حقا فى بناء هوية ووجدان وطنى مشترك لكل المصريين، لا فرق بين من يملكون منهم ومن لا يملكون.