بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

مواطن.. «مش زبون»

 

صار رمضان موسمًا وأرضًا خصبة، للصراع بين الشركات على اختلاف أنواعها وخدماتها «لتقليب» المشاهد، بإثارة غريزة الاستهلاك والشراء، أواستدرارعطفه، ليمد يده فى جيبه «المخروم سلفًا»، ليبحث عن جنيهات قليلة، قد اختبأت من برد الشتاء، داخل ملابسه، للتبرع بها.

فى الماضى القريب، كانت المنتجات تتنافس للاستحواذ على حصة من السوق، والآن أصبحت الشركات تتنافس على حصة فى الزبون نفسه، هذا الزبون هو أنا وأنت، وأصبح عقل و«جيب» هذا الزبون - أيًا كانت قدرته الشرائية - هدفًا لا يمكن الاستغناء عنه، والسطو عليه والتأثير فيه، وخلق عالمًا من الرفاهية يتعايش معه - قطاع كبير- ولا يعيش فيه!!

ولا داع لعلامات التعجب التى تدور فى رأسك وتظهر على وجهك، عندما تقتحم هاتفك رسالة من شركة مكافحة الحشرات، أو تجد هاتفك قد اهتز، مع صوت يرحب بإسمك مباشرة، لعرض فوائد فلاتر المياه وأهميتها، لأنك - أيها الزبون - مباع مقدمًا لتلك الشركات، وبياناتك متاحة للتداول، دون إذن منك أو تصريح!!

ولأول مرة، رغم اختلاف ألواننا وطبقاتنا، نقف على خط متساو من الأهمية، فشركات العقارات تطارد الجميع بلا تفرقة، لعرض فرصة العمر، شقة لا يتجاوز ثمنها العشرة ملايين جنيه، ولا تعرف تلك الشركات أنك لا تملك واحدا على الألف من هذا الرقم الفرصة!!، أونادى اجتماعى يقدم لك خصومات تتجاوز عشرات الآلاف من الجنيهات لتكون عضوًا هناك، ولا يدرى أن نسبة الخصم فقط هذه، يمكنها أن تغير حياتك رأسًا على عقب!!

الحقيقة المرة، أننا أصبحنا رقمًا فى أجندة مندوبى المبيعات، وصرنا زبائن مباعة، ليحصل الجميع على حصة منا وحصة فينا، وغير مسموح لك أن تسأل، كيف ومن أين حصلوا على أرقام هاتفى وبياناتى بهذه الدقة التى لا تخطئ ولو صدفة؟!

وإذا كنت قد وقفت عاجزًا مندهشًا لبيع خصوصيتى كمواطن، فقد فاقت دهشتى كثيرًا، الأرقام التى يصدرها عدد من السادة المسئولين، وتحديدًا الخاصة باستهلاك المصريين، مثل السجائر والكاجو.. إلى أن وصلت هذه الأرقام إلى عدد استهلاك أرغفة الخبز يوميًا..!!.

 ومؤخرًا صرح الدكتور إبراهيم عشماوى، مساعد أول وزير التموين بأن فاتورة استهلاك المصريين خلال شهر رمضان تصل إلى 75 أو 80 مليار جنيه، بزيادة تصل إلى 50% عن باقى شهور العام، هذا الرقم الذى أشار إليه الدكتور عشماوى يحتاج إلى تحليل دقيق، للوقوف على ماهية الطبقات التى تستهلك هذه الزيادة، مع العلم أن هناك شريحة كبيرة من المجتمع، تحسب ألف حساب، لشراء كيلو «قطايف أو كنافة» فى الشهر الفضيل، والذى وصل سعره إلى 20 جنيهًا تقريبًا.

كان يجب تقديم تحليل شامل عن السلع المستهلكة وأنواعها وأسعارها، لأن تقسيم هذا الرقم بشكل مطلق - رغم ضخامته - على شعب يتجاوز المائة مليون - بواقع 800 جنيه للفرد تقريبًا - دليل على الفقر وليس شيئًا آخر، وعلى سبيل التوضيح، إذا قام الفرد بتناول وجبتى الإفطار والسحور فقط - دون زيادة - بواقع 20 جنيهًا للوجبة الواحدة، سيكلفه ذلك 40 جنيهًا يوميًا أى 1200 شهريًا.

إذًا ما فائدة هذه الأرقام، وما هى الرسالة المراد توصيلها؟، هل الهدف هو الإيحاء بحالة الرخاء والبذخ التى نعيشها؟، هل تريد الرسالة شرح مدى العبء وضخامة المسئولية التى تتحملها الحكومة نتيجة وجود هذا الكائن المسمى المواطن؟، أيًا كانت الإجابة أوالرسالة، فتلك الأرقام تحتاج إلى عملية إعادة ضبط، لنصل إلى الحقيقة المجردة، إذا أردنا الدقة والمصداقية.

فى النهاية إذا كان تقبل الأشياء الخارجة عن إرادتنا بطواعية، هى جزء من فلسفة التوازن النفسى اليومى كى نعيش، فإن الإدراك والوضوح وتقليل عمليات الإستفزاز جزء أهم، للبقاء والإستمرار فى هذه الحياة، وكل عام وأنتم بخير رمضان كريم.

[email protected]