بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

فراغ لم يملأه أحد

فى حديث تليفزيونى قال عبدالحليم حافظ، إن الحياة حرمته من أشياء كثيرة، لكنها منحته  أشياء كثيرة كذلك، ومن تلك الأشياء التى لم يذكرها أن الأشياء التى جادت عليه الحياة بها، ما كان لها أن تنمو وتثمر، لولا الملحمة الملهمة التى نسجت خيوط حياته وشكلتها لتؤول إلى ما أصبحت عليه ظاهرة «عبدالحليم حافظ» الفنية الفريدة. فتى يخرج من دار رعاية الأيتام فيمضى فى دروب الحياة وحيدا، ويدرك وهو مازال صبيا أن الطريق شاق وغير مفروش بالورود، ولا سبيل إلى شقه وتمهيده إلا برحلة من الجهد والعمل والعرق والدموع، فيقطعه بهمة وإرادة صلبة لا تلين، فيشارك فى صياغة ذائقة ووجدان شعب وأمة على مدار أكثر من ربع قرن.

التحق عبدالحليم بمعهد الموسيقى بعد مواصلة تعليمه، فتفوق فى الدراسة، وكان الأول على دفعته، وبعد انهاء دراسته تم تعيينه مدرسا للموسيقى، قبل أن يدرك أن رغبته الحقيقية هى الغناء وليست التدريس ولا التلحين. خاض امتحانات الإذعة، لكى تعتمده كمطرب، فخسر مرتين فلم ييأس، فتقدم للمرة الثالثة فتم اعتماده. وكانت الإذاعة هى المجال الوحيد المتاح  آنذاك لكى يعرفه الجمهور .ولم  يكن الحال كما هو شائع الآن من تعدد محطات الإذاعة الخاصة والعامة والفضائيات، والشهرة التى يمكن أن يصنعها المطربون عبر وسائل التواصل الاجتماعى  المتعددة . لم تعد الأسطوانة وشريط الكاسيت هى وسائل المطرب للوصول إلى جمهوره.

قبل أيام مرت الذكرى 45 لرحيل عبدالحليم حافظ، وبعد سنوات من وفاته قال الدكتور «ياسين عبد الغفار» أحد علماء طب الكبد  فى مصر والعالم، إن العلم  اكتشف علاجا لمرض عبدالحليم حافظ لكن للأسف بعد وفاته، ولعله كان يقصد عمليات زراعة الكبد التى بدأت تشيع وتحرز نجاحات على المستوى  العالمى. ومن المعروف أن عبدالحليم، كان قد توفى فى لندن فى الثلاثين من مارس عام 1977، أثناء خضوعه لجولة علاج جديدة من آثار مرض البلهارسيا، الذى تسلل إلى  أكباد فقراء المصريين من الترع الملوثة، ودمر حياة كثيرين منهم.

حالة الغناء والطرب لم تكن بعد ظهور عبدالحليم حافظ، كما كانت قبلها. جدد حليم  فى الأغنية العربية وبسطها باختيار ذكى وحساس للكلمات والألحان، وفطنة تدرك التطور التحررى الذى لحق بالعلاقات الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص علاقات الحب بين الرجل والمرأة. ولعل ترديد الشعوب العربية لأغانيه والدندنة بألحانه من المحيط للخليج كان ترجمة واضحة لذلك الإدراك.

ظللت اعواما لا أفهم معنى لصوت  الخرفشة  الغريب والمبهم الذى وضعه العبقرى المجدد كمال الطويل فى لحنه لأغنية «جواب» التى شدا بها عبدالحيم فى فيلم البنات والصيف، حتى شاهدت الفيلم. كان البطل حليم يكتب خطابا  لحبيبته يبدأه هكذا: حبيبى الغالى، من بعد الأشواق، بهديك كل سلامى، وحنينى وغرامى.. لكن البداية لم تعجبه فمزق الخطاب، ليكتب بداية جديدة تبدأ بكلمات: نور عينى روح قلبى حبيبى  ، لأعرف معها أن الخرفشة كانت صوت تمزيق الخطاب، ولم يكن ذلك مألوفا فى الأغانى السائدة، لكنه شغف حليم فى التجديد والتبسيط  للأغنية العربية وللنفاذ إلى قلوب جمهوره.

45 عاما انقضت وظاهرة عبدالحليم حافظ باقية بكامل ألقها وبهجتها، بينما لايكف منافسوه وحاسدوه عن القول إنه صادر مواهب من عاصروه، مستعينا بسلطة الدولة التى صنعته. ترك حيلم الساحة خالية قبل45 سنة فلماذا  لم تتكرر ظاهرته؟ لم يكن حليم صنيعة أحد سوى موهبته واتقانه ومثابرته ، واحساسه المرهف الصادق والشجى الذى امتلك به قلوب محبيه، وبات بجانب ذلك تعبيرا عن مرحلة أحلام شعب، ويقظة أمة تفانى إبداعه فى خدمة أهدافها.