أوراق مسافرة
حاقد وناقد وزرقاء اليمامة
عندما تكون شخصًا عركتك خبرة الحياة، وبلغت سن الحكمة لتميز الغث من الثمين، وشاهدت عملًا فنيًا يبدو انه جميل، أداء الممثلين بارع لحد التصديق لتقمصهم الأدوار، التكنيك الفنى جيد والإخراج لا غبار عليه، خاصة انك لا تعرف دهاليزه، ولكن المضمون لقصة الفيلم هابط، فهى تنقل رسائل سلبية مفعمة بالفشل والإحباط، هنا تقف حائرًا، هل تنتقد أم تتغاضى وتصمت، وحين يغلبك ضميرك لتنتقد، لا لمصلحة شخصية، ولكن من اجل تقديم عمل جيد نافع للمجتمع فى المستقبل، وعلاج الخلل والثغرات التى شابت هذا العمل وسببت له العوار، ستفاجأ بمتحذلقين ومنتفعين من هذا العمل يتهمونك بالحاقد لا الناقد.
نرى هذا كثيرا فى حياتنا، من ينتقد وضعًا ما يتهم بالخيانة والعمالة، ومن ينتقد عملًا ما بغية تعديله وإصلاحه للأفضل يتهم بالحقد والغل والحسد، وهو ما يجعل اى أمر يسير من سيئ لأسوأ، لذا تجد المجتمع انقسم شقين، الأكبر الغالب منه يتحدث لغة « الاناماليزم»، وتتخلص فى مقولة «وانا مالى هو أنا اللى هاغير الدنيا»، والشق الثانى يجنح إلى لغة التطرف الشديدة والسوداوية فى التناول، فيصنف كل شيء على انه اسود ولا امل فى إصلاح وتجديد، وللأسف لا هذا الشق ولا ذاك سيبنى أى مجتمع جيد وصالح يسير بخطى آمنة للأمام.
ويصبح الأمل معلقًا بين فئة وجدت لها بقعة ضوء صغيرة بين هذا وذاك، وهى قلة نادرة ندرة زرقاء اليمامة، ينتقدون ويحذرون من الخطأ والخطر وكل ما هو سيئ ببصيرتهم قبل بصرهم، لأن لديهم خبرة وحنكة، ولديهم هبة من الله تبصرهم، وليس لهم غالبًا مصلحة شخصية، انهم يسعون فقط لإرضاء الله وإرضاء ضميرهم من خلال الإصلاح لمصلحة المجموع، وللأسف هؤلاء رغم ندرتهم وصدقهم وإخلاصهم فى النصح والنقد لمصلحة المجموع، قد لا يجدون من يصدقهم، ويسارع المنتفعون من الخطأ والخطايا بتصنيفهم واتهامهم بالخيانة والخروج على المشروعية، أو بالدعوة لمحاربتهم وللتخلص منهم لتخلو لهم ساحة النفعية، ولكن عدم الالتفات إلى هؤلاء بصورة موضوعية، والاستماع لهم، والاستفادة بنقدهم وآرائهم، يؤدى غالبًا إلى نهاية مأساوية فى المجتمعات والمؤسسات العامة والعاملة.
ولنا فى هذا قصة عظة لا ينساها التاريخ، ذكرتها أمهات كتب الأدب العربى، مثل كتاب العقد الفريد لـ «ابن عبد ربه الأندلسى» وكتاب الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى، وهى قصة زرقاء اليمامة، تلك السيدة النجدية من أهل اليمامة، كانت تتمتع بالبصيرة النافذة فى الحكم على الأشياء، وقد حباها الله أيضًا بالبصر الحاد القوى، حتى كانت تُبصر بعينيها الجميلتين زرقاء اللون، تبصر الشَعَرةَ البيضاء فى اللبن، وتبصر القادم من على بعد مسافة يوم وليلة من السير بالأقدام، وهو مقياس للمسافات فى حينه، وعندما خطط الأعداء بقيادة الملك حسان الحميرى غزو اليمامة، اختبأ المحاربون خلف أفرع الشجر، واستخدموها كغطاء أو ساتر للزحف إلى اليمامة لمباغتة أهلها، وشاهدت زرقاء العينين ببصرها أفرع الشجر تزحف عن بعد كبير لا تدركه عين شخص عادى، فحذرت قومها، وقد ادركت ببصيرتها أيضا، أن العدو قادم خلف هذه الأشجار.
لكن للأسف كذبها قومها، ولم يصدقوا ما رأت من هذه المسافة البعيدة، حتى وقعت الكارثة، وأطبق العدو عليهم فجأة، عندها فقط صدقها قومها ولكن بعد فوات الأوان، فقد أبادهم العدو عن بكرة أبيهم، وتم سلب زرقاء اليمامة بصرها، بأن فقأ العدو عينيها، ولم يقتلوها، وكأنهم تركوها عبرة وعظة لقبائل أخرى لا تصدق أصحاب البصائر والبصيرة، ولا تستفيد من قدراتهم وخبرتهم، وبعدها بقليل ماتت زرقاء اليمامة حزنًا وكمدا لتلحق بقومها.
هكذا بعض مجتمعاتنا المعاصرة، تنكر المبصرين، وتصدق من لا يرون أبعد من أكف أيديهم، تتجاهل الحكماء وأصحاب الخبرة والفطنة، ليتصدر نقيضهم المشهد، ويكذبون كل زرقاء يمامة، ويتفننون فى قتلها بشتى الطرق، لانهم لا يريدون من هو ابصر منهم، حتى لو انتهى بهم الأمر جميعا إلى الهلاك أو الفشل، وتحضرنى أبيات قيلت فى قصة زرقاء اليمامة «خذوا حذركم يا قوم ينفعكم، فليس ما قد أرى أمر يحتقر، إنى أرى شجرًا من خلفها بشـرٌ، لأمرٍ اجتمع الأقوام والشّـجـر».