الإخوان الإرهابية ومسيرة التلون والتواطؤ (٤٢)
نستكمل حديثنا اليوم مع مشروع سيد قطب والحل الذى قدمه محمد قطب فى كتابة واقعنا المعاصر والحل لابد من ثورة شاملة على حاكمية البشر، ذلك الحكم الذى مرد الأمر فيه للبشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، وامتدادا لفكرة المودودى فى الثورة الشاملة يرسم قطب الطريق المفصل لهذه الثورة، التى لن تكون فقط بالبيان والحجة واللسان، وإلا فما كان أيسره من عمل لو كان كذلك، لكن هذه الثورة الشاملة على الأنظمة تبدأ من خلال إعلان حركى واقعى، يتخذ شكل (الحركة) إلى جانب (البيان) ليواجه الواقع البشرى بكل جوانبه بوسائل متكافئة لكل جوانبه، هذه الحركة التى تسعى لتحقيق الحاكمية تقوم على المنهج الحركى المتدرج، حيث تفضى كل خطوة إلى الأخرى، ثم إلى تحقيق الهدف الأخير فهى حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التى تليها، فالحركة لا تقابل الواقع بنظريات متجمدة، كما يقرر ذلك سيد قطب فى فصل بعنوان الجهاد فى سبيل الله ضمن كتابه «معالم فى الطريق».
رغم أن لوائح السجون كانت تمنع النزلاء من الكتابة أو امتلاك أدواتها، إلا أن عبدالناصر أصدر قرارًا بتعيين الشيخ محمد الغزالى ليوفر لقطب ما يشاء من مراجع، ليصدر من محبسه كتاب «هذا الدين» و«المستقبل لهذا الدين»، ويستكمل «فى ظلال القرآن» الذى اختط فيه لنفسه منهجًا بديعًا غير مسبوق فى التفسير، لكنه ما لبث بعد الإفراج عنه أن أحدث فيه تعديلات كانت نواة آخر كتبه، وفر له السجن عزيزى القارئ فرصة لبلورة أفكاره الجديدة، ولم يجد حلًا للحيرة التى كانت تعتريه إلا باستدعاء أقوال الخوارج فى الحاكمية، وأفكار طوباوية حول إحياء جيل الصحابة، وتجهيل المجتمعات من بعدهم، والاستعلاء بالإيمان، ليصبها كلها فى أكثر كتبه جدلًا «معالم فى الطريق» الذى تتركز فيه قناعاته الجديدة فى «التغيير»، التى لم تخرج عما أتى به أبو الأعلى المودودى، ولكن بأسلوب أكثر جاذبية وبريقًا، حتى إنه عندما قدم للمودودى بعد وفاة قطب قرأه فى ليلة واحدة، ليخرج فى الصباح قائلًا «كأنى أنا الذى ألفت هذا الكتاب»، ولم يكن مستغربًا أن عبدالناصر لم يكد يفرغ من قراءته خلال زيارته لموسكو العام ١٩٦٥ حتى كتب فى صفحاته الأولى «هذا الكتاب وراءه تنظيم»، ليدان قطب إثرها بقيادة مؤامرة إخوانية لقلب نظام الحكم ليعدم العام ١٩٦٦ كما ذكر من قبل.
فى كتابه جاهلية القرن العشرين، يقرر محمد قطب أن البشرية جمعاء تعيش فى جاهلية شاملة ويفصل الحديث بشأن حال المجتمعات الإسلامية، تلك الجاهليات التى تقول إنها تعرف الله، وتظن أنها تؤدى العبادة الحقه لله، كل هذه الجاهليات تجادل فى الأمر وتظن أنها على حق، لكن كيف يعقل، وكيف يعبدون الله فى زعمهم وهم يأخذون نظام حياتهم من غير الله، فى الكتاب نفسه، يفصل محمد قطب الحديث أكثر عن واقع الأمة المسلمة، مبينا أنها انحرفت كثيرا، فى اطراد وتوافق تام مع أفكار أخيه سيد حتى فى طريقة التعبير واختيار الألفاظ، حيث يقرر أن المجتمعات الإسلامية قد أدركتها بالتدريج جهالة الجاهلية، ففصلت العقيدة عن الشريعة، وأخذت الدين عقيدة مستترة فى القلب منقطعة عن الواقع، بينما الواقع يحكمه منهج الله، لكن اليوم لم يعد دين الله هو المتحكم فى واقع الأمة الإسلامية ومن ثم لم تعد أمة مسلمة، حتى وإن كانت لا تزال تتسمى بأبناء المسلمين وتصلى أحيانا وتصوم! وللحديث بقية.