بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

أمى واختفاء الهرم

عندما أخبره الطبيب أن أمه بحاجة لجراحة عاجلة تحتاج إضاءة، حيث كان الوقت ليلًا، انطلق بكل جنون حبه لأمه فى محاولة لصناعة مصباح يضيء المكان للجراح، وفشل، وحاول مرات، وفشل، وماتت بعدها امه، فكان الحادث الدرامى الأعظم فى حياته، حتى كان يصعب عليه الحديث عنها دون أن تمتلئ عيناه بالدموع، والعجيب استمر فى محاولات صناعة المصباح الكهربائى بعد موتها حتى نجح لينقذ كل الأمهات الأخريات بعدها، اعترافًا بجميل امه عليه ودورها العظيم فى حياته، وقال عن امه: لقد اكتشفت مبكرا فى حياتى أن الأم هى أطيب كائن على الإطلاق، لقد دافعت أمى عنى بقوة، عندما وصفنى أستاذى بالفاسد والغبى، وفى تلك اللحظة عزمت على أن أكون جديرا بثقتها، كانت شديدة الإخلاص، واثقة بى كل الثقة، ولولا إيمانها بى لما أصبحت مخترعًا أبدًا.

انه مخترع المصباح الكهربائى الأمريكى توماس أديسون، وصاحب براءة أكثر من ألف اختراع نفع بها كل العالم، واشهرها جهاز الضوء الكهربائى، الفونوغراف، جهاز التصوير السينمائى، القلم الكهربائى، الدمية الناطقة، المطاحن.

كانت الأم هى اللغز وسر نجاحه، آمنت به فى وقت كفر به كل من حوله، حيث اتهموه بالغباء، وتم طرده من المدرسة مع رسالة أرسلت للأم جاء فيها «المدرسة تعتذر عن استمرار الطالب توماس أديسون فى تلقيه التعليم، نظرا لتخلفه عن مجاراة أقرانه فى الفهم والتحصيل، ما تخشى معه المدرسة أن يؤثر ذلك على مستوى تحصيل بقية التلاميذ»، فإذا بالأم «ماري» تقرأ له الرسالة على النحو التالي: تأسف إدارة المدرسة عن استقبال ابنكم توماس فى المدرسة، نظرا لارتفاع مستوى ذكائه اللافت مقارنة بزملائه، ما قد يؤثر على تحصيلهم العلمى وشعورهم بالإحباط أمام تفوقه عليهم، لذا نأمل منكم البحث عن مدرسة أخرى تليق بقدراته العلمية ومستوى ذكائه البالغ»، هكذا احتضنته حين لفظه العالم، ووفرت له الكتب العلمية والمعلم بالبيت، وحين أصيب بشبه صمم اثر حادث قطار، لم تتركه أبدا فريسة المرض ولا فريسة مجتمع لا يتوقف ليحنو على الضعفاء والمرضى، بل كانت تدفعه للأمام وتوفر له كل ما يحتاجه ليبتكر ويخترع، حتى ماتت لتترك خلفها عالمًا من اشهر علماء العالم.

فى لحظة فارقة بحياتى اختفى الهرم الأكبر، جف النيل، ضاقت سعة الأرض فصارت كثقب إبرة، وأطبقت السماء البعيدة الفضاء على صدرى، فما عدت أتنفس بسلاسة كما كنت، ولا اشعر ببهجة حياة، هكذا شعرت وصارت الحياة أمامى، عندما جاءنى عبر الهاتف خبر موت أمى وانا فى غربتى بأوروبا، رغم إصرارى على المجيء لمصر ولو بعد ساعات من إكرام دفنها، لأحتضن حجرا أصم باردا هو شاهد قبرها، عندما صرخت أنادى عليها وانا اغرس أظافرى فى طمى قبرها: ماما، لم اسمع صوتها الدافئ الحنون يرد على صرختى: أيوه يا حبيبتى، حينها أيقنت انى صرت يتيمة وحيدة فى هذا العالم ولو كل الجموع حولى، فلا قلب ولا حضن ولا حنان ولا عطاء ولا تضحية يمكن أن تعادل ما منحته لى أمى، ولكل إخوتى، وما تمنحه كل أم لأولادها دونما انتظار مقابل ولا كلمة شكر.

كل يوم يمر والأم موجودة بحياتنا هو عيد، عيد لنا، وويل لمن لا يحفل بأمه فى كل ساعة من وجودها بالحياة، ويل لمن يعقها، لمن يغضبها.. ارفقوا بها قبل أن ترحل فيرحل معها الحب والحنان والسند والعطاء بلا حدود، ويرحل عنكم الخير الذى منحه الله لكم بفضل دعواتها الطيبة، رحم الله أمهاتنا، وكل عام وكل أم بألف خير.

[email protected]