خارج السطر
الهروب من ذاكرة القبح
لا يُمكن للإبداع أن ينعزل عن الناس. لا معنى لكاتب بعيد عن محيطه، ولا تأثير لشاعر يسكن برجا عاجيا، ويعيش فى خصام مع المجتمع.
كان سيد قطب يوما ما حزمة طاقات وإبداعات متنوعة، لكن انعزاله عن الناس واستعلاءه عليهم دفعه للتطرف والكراهية ونثر التعصب والتشدد، فتحول إلى كاتب ضد، مُحرض على العنف، ومصطدم مع الجميع.
وحسبنا أن نتذكر كيف كان نجيب محفوظ جليسا للمقاهى، ممتزجا مع حكايات البشر العاديين، ومنغمسا فى حيواتهم اليومية.. كيف كان أحمد فؤاد نجم ابنا للشارع، وحبيبا للحارات الضيقة، والناس الغلابة.
وهذا فى تصورى هو ما يعيه جيدا الروائى الفذ إبراهيم عبدالمجيد، وهو يبنى ابداعاته على واقع الحياة ومراراتها، ليُقدم لنا مؤخراعملا فذا، كبيرا فى الحجم والقيمة هو ثلاثية «الهروب من الذاكرة».. وفيه يطرح مخاوف الناس وهواجسها ورغبات بعض الشباب فى الهجرة إلى المجهول هربا من مُجتمعات أسمنتية قاسية المشاعر، يحكمها الخطاب الدينى المتزمت وتتحكم فيها المخاوف السلطوية من أى طرح جديد مغاير للمعتاد.
يرسم المبدع بقلم سلس جذاب خطا ممتدا للحب الذى يقاوم الاستقطاب وحجب الرأى والوصاية على البشر، وكأن أبطال الحكاية يفرون من ذاكراتهم المعبأة خوفا وقهرا وتعصبا عن طريق الحب.
وتقدم الرواية الماتعة فى أكثر من سبعمائة صفحة حكاية مجدى هبة الله، المدرس المثقف، الذى يحب الفن والحياة والجمال، ويبحث هو وزوجته زينب عن إجابات لتساؤلات وجودية شتى، من خلال تفاعله مع المجتمع بأمراضه ومشكلاته. يتوالد الصراع النفسى أولا بين بطل الرواية وبين ماضيه الذى تعرض فيه لظلم غير مبرر، لا بسبب أفكاره أو سلوكه، وإنما بسبب عشوائية الحياة كلها، فى ظل غرائبيات تهيمن على كل شىء.
يتشبث إبراهيم عبدالمجيد بدراساته وقراءاته للفلسفة ليقول لنا فى حكمة إن مشاعر الحبس النفسى لا يمكن أن تهيمن إلى الأبد، وإنه ثمة محاولات للتنفيس حتى فى المجتمعات التى قد نتصور أنها مغلقة تماما.
إن الكاتب يرسم بنصه أحلاما غرائبية تثير هواجس التفكر فى الغد فى مجتمعاتنا العربية فيقول مثلا فى أحد الأحلام «رأيت مدينة صعد رجالها كلهم فوق الأسطح، ليشاهدوا الحاكم الذى يمر. رفع الحاكم بصره إليهم فتجمدوا فى أماكنهم. لم ينزلوا من فوق الأسطح حتى ماتوا، وما زالت النساء يبحثن عنهم فى الطرقات.»
ويقول فى حلم آخر: «رأيت مدينة طلبت فيها كل امرأة من زوجها أن يرسم لها على جدار البيت طائرا تحبه. رسم الرجال الطيور، وناموا سعداء. حملت الطيور نساء من المدينة، وطارت وصارت المدينة بلا نساء.»
إننا نجابه كل يوم فى مجتمعاتنا أمورا مستغربة: حادث بشع، خبر عجيب، سلوكيات غير متوقعة، فلتات إعلامية، نهايات قاتمة لأناس كنا نظنهم طيبين، وتصريحات عجيبة مستفزة للفت النظر وركوب التريند. نرى ونسمع ونعايش ولا ننفعل أو نفكر أو نحلل ما حدث لمَ حدث؟ وكيف؟ ومتى؟ وإلى متى؟
وحدهم المبدعون الحقيقيون هم مَن يرون فى الظلام. يتفاعلون ويحللون ويكتبون ويقرعون الأجراس، مثلما فعل إبراهيم عبدالمجيد واحد من مصابيحنا النيرة، التى تستحق كل محبة وتقدير.
والله أعلم.