مفعولاً به منصوباً عليه
أستيقظ صباحًا مثل غيرى، على صافرات إنذار «المنبه»، كتلك الصافرات التى تنطلق أثناء الكوارث، فكل دقيقة يستسلم فيها الجسد للنوم تقابلها عقوبات مباشرة على راتبى، أشبه بتلك العقوبات التى تفرضها الولايات المتحدة على أعدائها، وأى اقتراب منه هو تهديد مباشر للأمن القومى الإستراتيجى لعائلتى، أشبه بخوف روسيا من سيطرة «حلف الناتو» على أوكرانيا، هذا الراتب الذي «ينكمش» ذاتيًا مع مرور الأيام، أصبح وأضحى وأمسى مفعولًا به منصوبًا عليه، فى رحلة صراعه منفردًا مع الأسعار وجشع التجار دون تحالف أو دعم أو حتى تدخل خارجى.
أخرج للشارع سيرًا خلف قدمى، كأسير حرب لا يملك الفرار من قدره، حاملًا فوق رأسى خطة الفرار من فخاخ الأسعار وجشع التجار، لأصطدم بأول فخ اعتدت عليه يوميًا، حينما ينادى السائق «واااحد.. واحد يا بيه».. أسرع إليه مجيبًا دون تردد، فقد اعتادت قدماى الهرولة فى تلك اللحظات دون الإنصات لعقلى، يدخل الزبائن واحدًا تلو آخر حتى يكتمل العدد، وتكتمل غنيمته!! نعم غنيمته، فنحن بالنسبة له جنيهات تتنفس، يجمعها من الطريق، وويل لمن ركب خطأ، وقرر أن يقفز من المركب!!.. وللسائق العذر- فهو مثلي- يريد أن يحيا وسط عالم، يمكن لثمن طعام الكلاب والقطط المدللة فيه أن ينهى أزمة الجوع لكثير من البشر!!
الحقيقة أن ذهنى الشارد أثناء ترحيلى من مقر بيتى إلى مقر عملى، فى سيارة «الأجرة»، لا يكف عن التفكير والذهول، وسط تلك الأنباء والأحداث والتحذيرات التى تحاصرنا، مثل تصريح «ديفيد لابورد»، الباحث فى المعهد الدولى لبحوث السياسات الغذائية، الذى أكد أنه إذا لم تتمكن أوكرانيا من زراعة محصول القمح، وحصاده بحلول يوليو القادم، ستتفاقم الأزمة وسيزداد تأثيرها حدة على دول شمال أفريقيا.
الغريب أن «لابورد» قال إن الناس لن يشعروا على الفور بارتفاع أسعار القمح، لأن القمح المتداول حاليًا هو حصاد يوليو 2021!!
وطبقًا لهذا الكلام، لا يوجد مبرر لرفع الأسعار، التى لا تنفع معها سياسة الاستغناء، وأن التجار الذين قاموا بزيادة أسعار السلع المرتبطة بالقمح، نتيجة هذه الحرب، يكذبون علينا ويخدعوننا، ينصبون علينا ويستغلون الحرب لمزيد من المكاسب، ألا يعرف هؤلاء أن أرباحهم هذه- غير المشروعة وغير المبررة- تعنى الموت لآخرين؟!!.. أعتقد أنهم يعلمون.
وهنا تتجدد فى رأسى قذائف الأسئلة القديمة، إذا كانت الحرب مشتعلة هناك، فلماذا أدفع ثمنها أضعافًا وأنا هنا؟ ولماذا لا تستطيع الأمم إنتاج طعامها؟ وهل نحن- كما يروَّج فى العالم- نعيش عصر الندرة الغذائية وتهديد الأمن الغذائى؟! لأجد الإجابة عن هذه الأسئلة عند فرانسيس مورلابيه، وجوزيف كولينز فى كتاب «صناعة الجوع»، الذى جاء فيه:
ــ إن الإجابة عن سؤال لماذا لا تستطيع الأمم إطعام نفسها؟ لا بد أن يبدأ بفهم كيف عمل الاستعمار على الحيلولة دون حدوث ذلك، فقد أجبر الفلاحين على إحلال المحاصيل النقدية محل المحاصيل الغذائية، واستولى على أفضل الأراضى لزراعة محاصيل التصدير، وشجع الاعتماد على الغذاء المستورد.
ــ وأرجع الكتاب السبب الرئيسى لأزمة ارتفاع أسعار الغذاء فى العالم إلى التخلص عمدًا من حجم الفائض من الإنتاج لخلق الطلب ورفع الأسعار، وليس لندرة أو نقص الإنتاج.
ــ ففى الولايات المتحدة عام 1970 بلغت كمية القمح التى كان من الممكن زراعتها ولم تزرع، فى الأراضى التى تم تعطيلها عمدًا عن الإنتاج أكثر من سبعين مليون طن، أى نحو ضعف كل القمح المستورد سنويًا من جانب الدول النامية فى تلك الفترة، وحدثت بعدها أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
لذلك يجب علينا أن نَعلَم ونُعلِّم، أننا نعيش الآن عصر سيطرة وتكتل الشركات العالمية متعددة الجنسيات، التى حولت العالم إلى مزرعة واحدة، ليقف الجميع فى طابور واحد، ليشترى الغنى والفقير من سلة طعام واحدة، بثمن يحدده الأغنياء، لا يستطيع دفعه الفقراء، فالطعام عندهم يذهب حيث توجد النقود.
هذه الشركات ومن يستفيد من وجودها، هى السبب الحقيقى لصناعة الجوع والفقر فى العالم، لنصبح أفرادًا وشعوبًا مفعولاً بهم منصوبًا عليهم، منصوبًا علينا فى أفكارنا وأحلامنا ومواردنا، وقد آن الأوان لأن تتكتل الدول الفقيرة وتستيقظ إذا أرادت البقاء.