بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

الحرب من يدفع ثمنها؟ «2»

قتلى، جرحى، لاجئون، خراب ودمار، محصلة بديهية لهجمات روسيا على أوكرانيا ولن أقل غزوا، ما يحدث على مدى أسبوعين تقريبًا لا يمكن تسميته حربًا، الحرب تعنى أن قوتين تتصارعان ضد بعضهما البعض، الحرب نزاع مسلح تبادلى بين دولتين أو أكثر بسبب صراع فى الرغبات والمصالح لكيانات دول غير منسجمة، لكن أن تبادر دولة بالهجوم الثلاثى جوا، بحرا، أرضا على دولة جوار لتأديبها بصورة استباقية لأنها أبدت رغبتها فى الانضمام لحلف شمال الأطلنطى أو الاتحاد الأوروبى، فهذا اعتداء وغزو، ولا يجب أبدا التحايل على المسميات العسكرية الثابتة فى هذا الإطار.

وكما أشرت فى مقالى السابق أن روسيا تجرعت كؤوس المرارة المليئة بالتحدى والعنجهية الأمريكية، بزرع ترسانات أسلحة الحلف وقواعده والدرع الصاروخية الأمريكية بدول وسط وشرق أوروبا، ونشر أمريكا وحدات تكامل مع قوات الحلف فى هذه الدول، وكلها قريبة أو إقليمية مع روسيا، ولم تهتم أمريكا ولا باقى دول الحلف بالتحذيرات والتهديدات الروسية منذ أكثر من 23 عامًا، أى منذ ضم هنغاريا وبولندا وجمهورية التشيك، وأعود للسؤال الذى ختمت به مقالى السابق، لماذا ثارت روسيا الآن ضد أوكرانيا؟ ولماذا هذا الهجوم الضارى غير المتكافئ فى القوى؟، والذى خرق به الرئيس الروسى فلادمير بوتين اتفاق السلام.

أولا يجب أن نذكر أن حلف شمال الأطلنطى غازل روسيا أكثر من مرة، وحاول تقديم تطمينات استراتيجية لها بعمل شراكة تتضمن التعاون الأمنى والاستراتيجى منذ عام 91 من خلال مجلس الشراكة الأوروبية الأطلسية، وبعدها انضمت روسيا لبرنامج الشراكة من أجل السلام عام 94 وتم توقيع عدة اتفاقيات للتعاون، بل إن روسيا طرحت على الحلف عام 2000 فكرة الانضمام إليه، وكان ذلك فى عهد الرئيس الأمريكى بيل كلينتون، والذى قال ولما لا، لا يوجد مانع لذلك!، وتأسس بعدها المجلس الروسى الأطلنطى للتعاون فى المشاريع المشتركة والقضايا الأمنية مثل مكافحة الإرهاب، والتعاون العسكرى، والتعاون فى أفغانستان لإرساء الأمن ومحاربة إنتاج المخدرات وغيرها.

وهكذا أصبح لروسيا بموجب كل ما سبق مقعد فى مقر الحلف ببروكسل، ومقعد يعنى مكانه، يعنى مشاركة، يعنى اطلاع على ما يدور داخل غرف وأروقة الحلف غالبًا، وعلى الرغم من تعكر الأجواء عندما شن الحلف هجمات عسكرية ضد صربيا إبان حرب مع كوسوفو، حيث كانت صربيا حليفًا لروسيا، إلا أن روسيا لم تفقد شغفها بالتواجد داخل الحلف، لكنها فقط أدركت أن الحلف لن يتورع فى توجيه أى ضربات لأى أهدف قد تكون ذات تماس أو مصالح مع روسيا، لتحقيق خطط أو مصالح أو حماية دول، أو لمجرد تأكيد وجود الحلف كقوة تحالف عسكرى على الساحة الدولية، فبدأت روسيا تعود إلى تحذيراتها مجددا للحلف، والى مخاوفها القديمة من توسعه فى دويلات الاتحاد السوفيتى السابق، وازدادت الفجوة بعد حرب روسيا الأولى على أوكرانيا عام 2014.

وهى الحرب التى شنتها روسيا لدعم الانفصاليين فى جزيرة القرم، حيث ضمت روسيا بالفعل جزيرة القرم تحت سيادتها، وتمت هزيمة القوات الأوكرانية، أما هذه الحرب الجديدة، فتزعم روسيا أنها لعدة أسباب، أهمها وفقا لها، التصدى لرغبة أوكرانيا فى الانضمام للحلف والاتحاد الأوروبى، وهذا مردود عليه، بان العديد من دول الاتحاد السوفيتى السابق انضمت للحلف وللاتحاد، بل روسيا نفسها تطمح للانضمام للحلف بجانب شراكات التعاون بينها وبين الاتحاد والحلف، السبب الثانى الثى تتذرع به روسيا هو وقف الأعمال النازية التى يرتكبها الرئيس الأوكرانى والقوميون الأوكرانيون والذين يطلق عليهم «فلادمير بوتين» لقب «النازيون الجدد» وذلك ضد الروس أو الناطقين بالروسية.

وهناك تقارير أطلقتها روسيا فى الفترة الأخيرة التى سبقت حربها هذه، كانت تدلل من خلالها على وقوع عمليات إبادة جماعية ضد الروس والناطقين بالروسية، وتعرضهم للنهب والقتل والاغتصاب، وأن حكومة كييف تشكل فى ظلها كتائب طوعية سيئة السمعة، تعرف باسم «إيدار»، ترتكب هذه الجرائم لصالح الحكومة التى يعتبرها بوتين حكومة انقلابية تولت قيادة أوكرانيا فى أعقاب حربه على أوكرانيا.

وهذا أيضا مردود عليه، روسيا نفسها تتعامل بكل العنف مع المعارضين، أو حتى المارقين من رجالات الاستخبارات الذين كانوا موالين لها وانقلبوا ضدها، وكيف يشكل الرئيس الأوكرانى جماعة «نازيين جدد» وهو نفسه يهودى الأصل ومن عائلة يهودية، أى لديه عقدة متأصلة من النازية الألمانية التى ارتكبت ضد اليهود فى الحرب العالمية الثانية، إذا إجمالا الأسباب التى تسوقها روسيا علنا لهذه الحرب لا تبدو مقنعة فى مجملها، فما هى الأسباب غير المعلنة... للحديث بقية

[email protected]