حكاوى
عبدالرحمن فهمى مرة أخري
لقد كان عبدالرحمن فهمى شأن كثيرين من قيادات العمل السياسى ينتمى إلى طبقة كبار الملاك ما يمكن استنتاجه من أكثر من حقيقة، فهو فى مقابلة لـ«اللنبى» هو وأعضاء اللجنة المركزية لـ«الوفد» طلب المندوب السامى من كل منهم أن يذهب إلى عزبته فأجاب عبدالرحمن فهمى بأنه ليس عنده عزبة وعندما سأله ممثل بريطانيا فى مصر عن السبب رد بأنه قد باعها منذ وقت قصير، ثم أنه فى محاكمته فى قضية المؤامرة الكبرى اعترف بأنه قبيل المحاكمة سحب مبلغ 7500 جنيه من حسابه فى البنك ليشترى 50 فداناً فى القليوبية.
وقد مكنه انتماؤه الاجتماعى من الاتصال بالطبقة والتأثير فيها، مثال على ذلك ما رواه فى «صفحات مطوية من أيام الجهاد» بمجلة «الدنيا المصورة» 7 يناير 1931 عن أن شخصين من كبار رجال الحزب الوطنى فى الإسكندرية كانا فى طريقهما لأوروبا لتشكيل وفد آخر بكل مردودات هذا العمل من إضعاف الوفد المصرى فاستعان ببعض السيدات اللائى كن يعملن فى صفوف الحركة الوطنية لإقناع حرمى الشخصين عضوى الحزب الوطنى بأن قيام نفر من أبناء الأمة ضد إرادة المجموع عمل ينافى الوطنية الصحيحة ويلصق العار بفاعله أبد الدهر.
ومن حسن الحظ أن هاتين السيدتين اقتنعتا تمام الاقتناع بصدق هذه النظرية فحالتا بين زوجيهما وبين القيام بهذا السفر بعد أن كادت محاولتهما تؤدى إلى الطلاق.
وقد أثر هذا الانتماء الاجتماعى فى جانب آخر وهو أنه كان محل ثقة سائر أعضاء الوفد فى تدبير نفقات العمل السرى الذى تولى تنظيمه وهو عمل يكون من حق المسئول الأول عنه دفع مصروفاته دون الإفصاح عن وجوه الصرف.
لقد شئنا أن نسرد هذه التفصيلات حول نشأة عبدالرحمن فهمى وتكوينه وأعماله قبل قيام ثورة 1919 لأنها تلقى أضواء على شخصية هذا الرجل، ذلك أنه من أوضح جوانب هذه الشخصية اعتدادها بنفسها وبكرامتها وشدتها فى الحق وإحساسها بجسامة المسئولية، فضلاً عن أنه أثناء خدمته بالجيش والإدارة وكثرة التنقل بين مراكز متعددة بين الوجهين القبلى والبحرى اكتسب معرفة واسعة بأحوال مصر وصلة واسعة بالشخصيات والأسر أفادته أيما فائدة فى قيادة الحركة السرية التى رفعت لواء المقاومة ضد الإنجليز.
تلك هى المرحلة الأولى من حياته، مرحلة اشتغاله بالعمل العام، أما المرحلة الثانية فهى مرحلة نضاله السرى التى سوف نتناولها فى تبيان دوره فى الحركة الوطنية.
وتأتى المرحلة الثالثة من مراحل حياته عندما بدأ بتدوين مذكراته جاعلاً نقطة البداية فيها لقاء 13 نوفمبر 1918 الشهير، وتنتهى بالخلاف الذى تفجر بينه وبين سعد زغلول عام 1926، والذى اعتزل بعده الحياة السياسية برمتها، وإن كان قد امتد بكتابة مذكراته لعام آخر بعد ذلك وحتى وفاة سعد زغلول فى 23 أغسطس 1927.
وقد أسقط من هذه السنوات نحو أربعة أعوام قضاها عبدالرحمن فهمى داخل السجن بين أول يوليو عام 1920 حتى أوائل عام 1924 بعد أن تمت محاكمته مع سبعة وعشرين معه بتهمة إنشاء جمعية سرية باسم «الانتقام» كان الغرض منها خلع السلطان أحمد فؤاد وقلب حكومته والتحريض على العصيان والقتل.
وهناك إجماع بين المؤرخين على أن هذه القضية ملفقة، كما أن عبدالرحمن فهمى فى مذكراته غير المنشورة يؤكد هذه الحقيقة، ويروى الرافعى أن تلفيق هذه القضية يرتبط بهدف إنجلترا فى تصفية المنظمات الثورية الموالية لـ«الوفد» حين بدأ الوفد المفاوضات مع ملنر فى أوائل يونيه 1920، وبالذات ارتباط هذه القضية بموضوع استفتاء الأمة بشأن مشروع التسوية (مشروع ملنر)، فقد كانت السلطات البريطانية تخشى من الدور الذى يمكن أن يقوم به عبدالرحمن فهمى وأجهزته ضد هذا المشروع الذى كان سعد زغلول يرفضه بينما قبله الكثيرون من أعضاء الوفد.
ويروى عبدالرحمن فهمى كيف أحس بأن شيئاً يدبر له من أن أشخاصاً مجهولين لم يعرفهم من قبل القبض عليه يطلبون منه الاشتراك فى أى عمليات اغتيال للإنجليز؛ وفهم عبدالرحمن فهمى أنهم موعز إليهم بهذا من قبل الداخلية، وانتهت محاكمة عبدالرحمن فهمى فى أكتوبر 1920 بصدور الحكم بإعدامه ثم تخفيضه إلى خمس عشرة سنة.
وللحديث بقية