بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

رسائل صوفيا لين بول

 

 

 

 

أتصور أن هناك تراثا عظيما يمثل اضاءات مهمة لتاريخنا الحديث متمثلا فى شهادات ومشاهدات المستشرقين ومحبى الرحلات والسفر فى العالم الغربى مازال منسيا. فقبل سنوات كُنت مصدوما أن اكتشف أن شهادة مهمة مثل مذكرات «توماس راسل» حكمدار القاهرة فى النصف الأول من القرن العشرين، لم تترجم إلى العربية.

وعندما بحثت رأيت مئات الُكتب التى حكت عن مصر فى القرنين التاسع عشر والعشرين ونُسيت وأهملت وربما لم يطالعها أحد رغم ما حوته من وصف ورصد دقيق وهام وغير منحاز.

ولاشك أن الكتاب الصادر مؤخرا عن الرواق للنشر بعنوان «سيدة إنجليزية فى مصر» والذى ترجمته الكاتبة خميلة الجندى، يمثل إضاءة كاشفة للسنوات العشر الأخيرة فى عهد محمد على.

لقد زارت المستشرقة الإنجليزية صوفيا لين بول أرض المحروسة فى يوليو 1842 ولنحو عامين متصلين أرسلت رسائل عما رأته وعاينته للمصريين فى القاهرة والإسكندرية وباقى المُدن. وفيما بعد جمعت هذه الرسائل فى كتاب عن مصر فى منتصف القرن التاسع عشر، ولم يهتم به أحد رغم عمق وجمال الحكى الذى يقدمه عن تاريخ مازال ملونا.

وفى اعتقادى فإن أبرز ما تقدمه رسائل صوفيا بول هو خلخلة أكذوبة تاريخية غرسها التاريخ المدرسى فى نفوسنا بشأن محمد على باشا، حيث قُدمه لنا باعتباره باعث النهضة الحديثة. وربما خلطت الأكذوبة بين الانتصارات الوقتية التى حققتها جيوش الباشا فى الشام والحجاز وتركيا وبين النهضة بمفهومها الشامل الذى يعتمد فى الأصل على الإنسان ودرجة التحسن الطارئ على حياته.

إننا نفاجىء بعد سبعة وثلاثين عاما من تولى محمد على حكم مصر بأحوال المصريين البائسة الموجعة من خلال رسائل صوفيا التى تقول فيها «لقد تأثرت للغاية بالفروقات الكبيرة بين عادات الطبقات العليا المترفة وملابس البائسين حفاة الأقدام وأبنائهم الذين يعيش عدد كبير منهم دون ثياب».

وفى رسالة أخرى لها من الإسكندرية تقول «من العسير تجاوز بصرك لتلال القمامة والرمال المتراكمة التى تحتل تقريبًا المشهد كله».

وتقدم لنا رسالة أخرى رؤية للعاصمة تقول فيها « تحمل القاهرة لقب أم الدنيا، وأسماء أخرى رنانة. إلا أن الأحوال فيها تردت كثيرا، فالطرق غير ممهدة وضيقة حيث يتراوح اتساعها من خمسة إلى عشرة أقدام على أقصى تقدير..»

وتتفق ما ترويه المستشرقة الإنجليزية مع طرح لافت ومُجدد قدمه الدكتور خالد فهمى أستاذ التاريخ الحديث قبل سنوات مفاده أن محمد على ليس باعثًا للنهضة الحديثة، وأن العبرة الحقيقية فى معيار النهضة هى درجة تطور الإنسان ذاته. صحيح أن الرجل انتصر وأسس جيشا كبيرا، وضم بلادا لمصر، لكنه كان يصنع مجده ومجد عائلته فقط، والدليل أن حال الناس ساء وتدهور أكثر بنهاية حكمه.

ورغم كل ما تراه المستشرقة الإنجليزية من دلائل خراب وقشور نهضة ولا اكتراث دولة تجاه رعاياها، فقد أحبت مصر وأهلها حتى أنها كتبت فى واحدة من رسائلها «بصفتى وفية بحق لبلادى فيمكننى البوح برأيى الصريح دون أن أخشى شك القارئ فى تفضيل إقامتى فى المشرق على منزلى الإنجليزى. وسأخبرك دون تحفظ عن مكامن سحر الشرق، عن المناخ، أخلاقيات الناس، عاداتهم البسيطة. ولو كانت هنا صحيفة حرة لما رأينا قط خبرا بعنوان «مات جوعا» لماذا؟رغم أن البلاد هنا لا تضم منازل تأوى الفقراء عكس إنجلترا. ببساطة لأن الفقراء هنا لو منحتهم كسرة خبز وماء يكتفون والأهم من ذلك أنهم يحيون فى تجمع عائلى.»

فتحية لأولئك المصريين الصابرين دوما، وتحية سلام لروح صوفيا لين بول التى أضاءت لنا بعض العتمة، والشكر للكاتبة خميلة الجندى أن نقلت لنا هذه الشهادة الهامة.

والله أعلم.

[email protected]